الفزعة في القبائل العربية.. من شهامة النخوة إلى رمز التكافل القبلي
أسماء صبحي – في عمق الصحراء وتحت ظلال الخيام البدوية، نشأت قيم أخلاقية راسخة شكّلت جوهر المجتمع القبلي العربي. ولعل أبرز هذه القيم كانت عادة “الفزعة”، التي تمثل روح المروءة والتكافل الاجتماعي بين أبناء القبائل. فهي ليست مجرد تقليد، بل أسلوب حياة يكشف عن عمق الترابط الجماعي، واستعداد الأفراد للتضحية من أجل بعضهم البعض.
وقد ارتبطت الفزعة بميادين شتى من نجدة الملهوف، إلى المشاركة في مناسبات الحزن والفرح. ومرورًا بتسديد الديات والمساعدة في الأعمار والبناء.
الفزعة في اللغة والجذور القبلية
تشتق كلمة “فزعة” من الفعل “فزع”، أي أسرع لنصرة غيره. وهي في السياق القبلي تعني استجابة جماعية سريعة لنصرة فرد أو قضية تخص أحد أبناء القبيلة. وهذه الاستجابة لا ترتبط بمقابل أو شرط بل تقوم على الإحساس العميق بالواجب والانتماء.
في المجتمعات الصحراوية حيث كانت الحياة قاسية ومهددة لم يكن البقاء ممكنًا من دون تكاتف. ولهذا، نشأت الفزعة كآلية لحماية الفرد من المخاطر، ورد العدوان، وتحقيق نوع من العدالة الجماعية التي تحل محل القانون الغائب آنذاك.
الحروب والقتال
من أقدم صور هذه العادة وأكثرها رسوخًا كانت تلك المرتبطة بالحروب والغارات. فعند سماع نداء الاستغاثة، يهب رجال القبيلة حاملين السلاح للدفاع عن أراضيهم أو نصرة أحد أبنائهم. ويطلق في مثل هذه الحالات النداء الشهير: “الفزعة يا رجال!”.
في كثير من الأحيان، كانت سرعة الاستجابة تُعد مقياسًا لرجولة الفارس وكرم قبيلته. إذ أن التخاذل عن الفزعة كان عارًا لا يُغتفر، وتتناقله الألسن لأجيال.
الفزعة في قضايا الدية وحفظ الدم
من أشهر أوجه هذه العادة وأكثرها نبلاً ما يعرف بـ فزعة الدية. وهي عندما يتوجب على أهل الجاني دفع تعويض مادي لأهل القتيل وفقًا للأعراف القبلية. ونظرًا لثقل المبلغ أحيانًا، ينادى أفراد القبيلة للمساهمة في جمع المال، حتى تسد الدية وتطوى صفحة الثأر.
وتعد هذه العادة من أقوى أدوات حفظ السلم الأهلي داخل المجتمعات القبلية لأنها تحول دون تفاقم الثأر. وتظهر تضامنًا فريدًا يُجنّب الكثير من الدماء.
الأعراس والمناسبات الاجتماعية
لم تقتصر الفزعة على أوقات الحرب أو القتل بل امتدت إلى مظاهر الحياة اليومية لا سيما في الأعراس. حيث يشارك أبناء القبيلة في تحضير الولائم، وتنظيم الاحتفالات، واستقبال الضيوف، في مشهد يعبّر عن الفخر والفرح الجماعي.
كذلك تظهر هذه العادة جليًا في مناسبات العزاء. حيث يتكفل أفراد القبيلة بإكرام المعزين، ويقفون مع أهل الميت ماديًا ومعنويًا، ويخففون عنهم مشاق التنظيم والمصاريف.
قانون بديل قبل ظهور الدولة
في غياب الدولة المركزية، كانت العادات القبلية تحل محل القانون. وتعد هذه العادة إحدى ركائز العدالة القبلية. فحين يعتدى على أحد الأفراد تتداعى القبيلة كلها للرد، وتحاسب المعتدي جماعيًا حتى إن لم يكن من قبيلتها.
وقال الباحث السعودي د. فهد الشقيران، إن الفزعة ليست فقط ردّ فعل عاطفي. بل نظام اجتماعي غير مكتوب يقوم مقام القانون ويؤكد أن الجماعة هي صمام الأمان للفرد.



