شفيق متري سدراك.. فارس سيناء الذي قاتل حتى اللحظة الأخيرة
في قرية المطيعة بمحافظة أسيوط، ولد عام 1921 طفل هادئ الملامح اسمه شفيق متري سدراك، دون أن يدرك أحد أن ذلك الطفل سيصبح لاحقًا واحدًا من أبرز أبطال الجيش المصري، وأن اسمه سيرتبط بواحدة من أعظم صفحات البطولة في تاريخ حرب أكتوبر 1973.
من هو شفيق متري سدراك
نشأ شفيق وسط أسرة تؤمن بالعلم والوطن، وكان والده، مدرس اللغة الإنجليزية، يزرع داخله حب مصر من خلال حكايات ثورة 1919 ومقاومة المصريين للغزاة في مدن الدلتا والصعيد ومع مرور السنوات، أدرك الشاب أن طريقه لن يكون خلف المكاتب، بل في ميادين القتال.
التحق بكلية التجارة في البداية، لكنه سرعان ما تركها ليلتحق بالكلية الحربية، وكأن القدر كان يدفعه نحو مصيره الحقيقي، تخرج عام 1948 ضابطًا بسلاح المشاة، ولفت الأنظار منذ سنواته الأولى بذكائه العسكري وشجاعته الميدانية، حتى حصل على شهادة أركان حرب وهو من أصغر الضباط سنًا، ثم واصل تفوقه في أكاديمية ناصر العسكرية العليا، ليصبح أحد أبرز الخبراء في قتال الدبابات وحروب الصحراء.
خاض شفيق متري سدراك أول اختبار حقيقي خلال العدوان الثلاثي على مصر، حيث واجه القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية بثبات كبير، ثم جاءت نكسة يونيو 1967، التي شكلت جرحًا عميقًا في الوجدان المصري، لكنه لم يسمح للهزيمة أن تكسر روحه القتالية.
في معركة أبو عجيلة أظهر شجاعة استثنائية، ما دفع الرئيس جمال عبد الناصر إلى منحه ترقية استثنائية تقديرًا لبسالته، وخلال سنوات حرب الاستنزاف تحول اسمه إلى مصدر قلق دائم للقوات الإسرائيلية، بعدما قاد عمليات عبور جريئة عبر قناة السويس، نفذ خلالها كمائن وضربات نوعية ضد مواقع العدو.
وحين جاءت لحظة السادس من أكتوبر 1973، كان اللواء شفيق متري سدراك يقف على ضفة قناة السويس قائدًا للواء الثالث مشاة ميكانيكي، مستعدًا لتنفيذ المهمة التي انتظرها العمر كله، خاطب جنوده بكلمات ملأها الإيمان والثقة، ثم اندفع معهم في قلب الموجة الأولى للعبور، بينما كانت التحصينات الإسرائيلية تتهاوى تباعًا تحت ضربات الجيش المصري.
تقدم اللواء الثالث داخل سيناء لمسافات كبيرة، ونجح في تثبيت مواقعه رغم الهجمات المدرعة العنيفة التي شنها الجيش الإسرائيلي يومي الثامن والتاسع من أكتوبر، وكان شفيق دائم الوجود بين جنوده، يتنقل بمركبته المدرعة من موقع إلى آخر، يرفع المعنويات ويشارك في القتال بنفسه.
وفي صباح التاسع من أكتوبر، وأثناء تقدمه نحو إحدى النقاط الحصينة شرق القناة، أصابت قذيفة إسرائيلية مركبته المدرعة إصابة مباشرة، ليستشهد مع عدد من رجاله، ويسجل اسمه كأول شهيد من كبار قادة الجيش المصري في حرب أكتوبر.
وبعد انتهاء الحرب، وقف الرئيس أنور السادات داخل مجلس الشعب في فبراير 1974 مستحضرًا بطولات رجال أكتوبر، وكان اسم شفيق متري سدراك حاضرًا بين أعظم الأبطال، ومنحه وسام نجمة سيناء من الطبقة الأولى، وهو أرفع وسام عسكري في مصر، تقديرًا لشجاعته وتضحيته.



