تاريخ ومزارات

قبيلة تعيش كأنها من عالم «أكوا مان».. سر البشر الذين يقضون معظم حياتهم تحت الماء منذ ألف عام

في أعماق البحار وبين الجزر المنتشرة في جنوب شرق آسيا، يعيش شعب يبدو وكأنه خرج من عالم الخيال، قبيلة استطاعت عبر مئات السنين أن تتكيف مع الحياة وسط المياه حتى أصبحت قدراتها تثير دهشة العلماء، إنها قبيلة «باجاو» التي يطلق عليها كثيرون لقب «غجر البحر»، والتي تشبه حياتها إلى حد كبير ما ظهر في فيلم «أكوا مان» للنجم جايسون موموا

منذ أكثر من ألف عام، اختارت قبيلة باجاو البحر وطنًا دائمًا، فاستقرت في المياه المحيطة بأرخبيل سولو في الفلبين، وجزيرة بورنيو التي تتقاسمها إندونيسيا وماليزيا وبروناي، إلى جانب بعض جزر مينداناو، حيث يعيش أفرادها في أكواخ عائمة وقوارب خشبية صغيرة، ويقضون ما يقرب من 60% من حياتهم داخل البحر، حتى أصبحت المياه بالنسبة لهم أكثر ألفة من اليابسة

تكيف جيني استثنائي مع الحياة تحت الماء

تشير الدراسات إلى أن قبيلة باجاو تمتلك خصائص وراثية مختلفة عن أغلب البشر، وهو ما منحها قدرة استثنائية على الغوص والبقاء تحت الماء لفترات طويلة، ويبلغ عدد أفراد القبيلة نحو مليون شخص وفق تقديرات هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، ويستطيع الكثير منهم قضاء نحو ثماني ساعات يوميًا في ممارسة الغوص الحر وصيد الأسماك دون الاعتماد على معدات التنفس الحديثة.

هذا النمط الفريد من الحياة جعل أفراد القبيلة يعيشون حياة برمائية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهم يقيمون في قوارب تتحول إلى منازل، ويقضون أغلب ساعات يومهم بين أعماق البحر بحثًا عن الرزق.

الغوص إلى عمق 20 مترًا بنظارات خشبية

بينما يحتاج معظم الناس إلى تدريبات وأجهزة متطورة لممارسة الغوص، يعتمد أفراد قبيلة باجاو على وسائل بدائية للغاية، إذ يستطيعون النزول إلى أعماق تصل إلى 20 مترًا باستخدام أوزان بسيطة وزوج من النظارات الخشبية فقط، وهي مهارة اكتسبوها عبر أجيال طويلة من التعايش مع البحر.

ولا يعرف كثير من أفراد القبيلة أعمارهم الحقيقية، كما أن نسبة كبيرة منهم لا تجيد القراءة أو الكتابة، لكنهم يمتلكون خبرة بحرية هائلة تجعلهم من أمهر الغواصين في العالم.

الوقت عندهم يقاس بالمد والجزر

لا يعتمد سكان قبيلة باجاو على الساعات أو الدقائق في تنظيم حياتهم اليومية، بل يرتبط مفهوم الوقت لديهم بحركة المد والجزر، فهي التي تحدد مواعيد الصيد والغوص والتنقل، في انعكاس واضح لارتباطهم الكامل بالطبيعة.

ويبدأ الأطفال تعلم السباحة والغوص منذ سنواتهم الأولى، وما إن يبلغ الطفل الثامنة من عمره حتى يشارك أسرته في رحلات الصيد، لتصبح مهارات البحر جزءًا من حياته منذ الصغر.

13 دقيقة كاملة تحت الماء

من أكثر القدرات التي أثارت اهتمام الباحثين، قدرة بعض غواصي قبيلة باجاو على البقاء تحت الماء لمدة تصل إلى 13 دقيقة متواصلة من دون استخدام أي أجهزة تنفس، وهي مدة يصعب على معظم البشر الوصول إليها.

كما كشفت دراسات أن شباب القبيلة يتمتعون بقدرة بصرية أفضل أثناء وجودهم تحت الماء نتيجة اعتيادهم المستمر على البيئة البحرية، وهو ما يمنحهم كفاءة كبيرة في تعقب الأسماك والكائنات البحرية داخل الأعماق.

الطحال الكبير سر القدرة على الغوص

أرجع العلماء هذه القدرات المذهلة إلى طفرة جينية نادرة أطلق عليها البعض «جين البحر البدوي»، إذ يمتلك أفراد قبيلة باجاو طحالًا أكبر من المتوسط مقارنة ببقية البشر.

ويؤدي الطحال دورًا مهمًا أثناء الغوص، فعند غمر الجسم في الماء ينقبض ليضخ كمية إضافية من خلايا الدم الحمراء المحملة بالأكسجين إلى الدورة الدموية، وهو ما يزيد نسبة الأكسجين المتاحة للجسم بنحو 9% ويساعدهم على البقاء تحت الماء لفترات أطول.

كما أن الغوص المتكرر منذ الطفولة أدى لدى كثير من أفراد القبيلة إلى تمزق دائم في طبلة الأذن، إلا أنهم اعتادوا ذلك مع مرور الوقت، وأصبحوا أكثر قدرة على تحمل ضغط المياه في الأعماق، بينما يشعر بعضهم بما يعرف بـ«دوار اليابسة» إذا ابتعدوا عن البحر لفترات طويلة.

خطر يهدد حياة غجر البحر

ورغم قدرتهم المذهلة على التكيف مع البيئة البحرية، فإن قبيلة باجاو تواجه اليوم تحديات تهدد أسلوب حياتها التقليدي، يأتي في مقدمتها تلوث مياه البحار وتراجع أعداد الأسماك والكائنات البحرية التي يعتمدون عليها في معيشتهم.

ولا تزال النقود تحتل مكانة محدودة في حياتهم، إذ يعتمد كثير منهم على صيد الأسماك وأصداف اللؤلؤ وخيار البحر مرتفع الثمن، ثم مبادلتها بالمنتجات الزراعية مع سكان اليابسة، في نموذج اقتصادي بسيط حافظوا عليه عبر مئات السنين، ليظل البحر بالنسبة لهم ليس مجرد مصدر للرزق، بل وطنًا وهوية وأسلوب حياة لا يعرفون سواه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى