تاريخ ومزارات

مسجد سيدي زوين.. حكاية مسجد عمره قرون صلى فيه السادات والنحاس باشا ويضم ضريح عالم جاء من الطائف إلى مصر

في قلب مدينة منوف بمحافظة المنوفية، يقف مسجد سيدي زوين شاهدًا على تاريخ يمتد لعدة قرون، باعتباره واحدًا من أقدم وأشهر المساجد بالمحافظة، ليس فقط لقيمته الدينية، وإنما أيضًا لمكانته التاريخية والعلمية، إذ ظل على مدار مئات السنين منارة للعلم والفقه، ومقصدًا لطلاب العلم ورواد المساجد.

ويقع المسجد في وسط مدينة منوف، التي كانت عاصمة لمحافظة المنوفية قديمًا، على مساحة تقترب من 750 مترًا مربعًا، ويحمل اسم الشيخ محمد زين الدين زوين، الذي استقر بمدينة منوف بعد رحلة علم وهجرة بدأت من مدينة الطائف بالحجاز.

من هو الشيخ محمد زين الدين زوين؟

ولد الشيخ محمد زين الدين زوين عام 677 هـ بمدينة الطائف في أرض الحجاز، بالقرب من مسجد الصحابي الجليل عبد الله بن عباس، ابن عم الرسول ﷺ.

وتوفي والده وهو لا يزال رضيعًا، فتولت والدته تربيته، وحرصت على تحفيظه القرآن الكريم، حتى أتم حفظه وهو في السابعة من عمره على يد الإمام شمس الدين اللبان، ثم تلقى علوم الفقه والحديث على أيدي كبار علماء الطائف، وفق المذهب الشافعي، حتى أصبح من أبرز علماء عصره.

وتشير الروايات إلى أن الشيخ اضطر إلى مغادرة الحجاز بعد تعرض علماء أهل السنة للاضطهاد على يد حاكم الطائف آنذاك، فتوجه إلى مصر في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون عام 1327 ميلادية، حيث استقبله الشيخ عيسى العيسوي، أحد كبار علماء ذلك العصر.

وبعد سنوات من التدريس بالقاهرة، رأى الشيخ – وفقًا للروايات المتوارثة – رؤيا تكررت أكثر من مرة تدعوه إلى الهجرة إلى مدينة منوف، فتوجه إليها، وكان في استقباله عدد من كبار الصالحين والعلماء، من بينهم الشيخ عبد القادر أبو عقدة والشيخ عمر بن غانم شيخ الطريقة الأحمدية، ليستقر بها حتى وفاته، ويدفن في المكان الذي أصبح فيما بعد مسجده المعروف حتى اليوم.

أربع مراحل لتجديد المسجد

شهد مسجد سيدي زوين عدة مراحل من التجديد والتطوير عبر تاريخه الطويل.

فكان أول تجديد للمسجد عام 1756 ميلادية، ثم جرى التجديد الثاني عام 1804، بينما جاء التجديد الثالث عام 1907 في عهد الخديو عباس حلمي الثاني، بعد تلقي وزارة الأوقاف شكاوى بشأن تهالك المبنى، ليتم ضمه بعدها إلى وزارة الأوقاف، ويتحول من مسجد أهلي إلى مسجد حكومي.

أما التجديد الرابع، فجاء في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، بعدما تعرض المسجد لتأثيرات نتيجة انهيار مبنى القيصارية المقابل له، وتسرب المياه الجوفية إلى أساساته، وهو ما استدعى تنفيذ أعمال ترميم واسعة بمشاركة أهالي مدينة منوف، قبل افتتاحه مجددًا في ستينيات القرن الماضي.

منارة للعلم والدعوة

ويؤكد القائمون على المسجد أنه لم يكن مجرد مكان لإقامة الصلاة، بل ظل لعقود طويلة مركزًا لنشر العلوم الشرعية، حيث تقام به الندوات الدينية، والدروس العلمية، والمدرسة العلمية التابعة للأوقاف، إلى جانب القوافل الطبية والندوات التوعوية، كما يستضيف العديد من الاجتماعات الرسمية الخاصة بمديرية الأوقاف.

ويضم المسجد واحدة من أكبر المكتبات الدينية بمدينة منوف، والتي تحتوي على مئات الكتب العلمية والدينية والثقافية وكتب الأطفال، وتعد الأكبر على مستوى المركز.

كما يتميز المسجد بموقعه الاستراتيجي في قلب المدينة، وتحيط به المحال التجارية من جميع الجهات، إضافة إلى مئذنته التي تعد من أطول المآذن في مدينة منوف.

شخصيات بارزة صلت داخل المسجد

ويرتبط مسجد سيدي زوين بعدد من الشخصيات العامة التي زارته عبر تاريخه، إذ تشير الروايات إلى أن مصطفى النحاس باشا، رئيس وزراء مصر الأسبق، أدى الصلاة داخله، كما صلى فيه أيضًا الرئيس الراحل محمد أنور السادات.

كما شهد المسجد تلاوات لكبار قراء القرآن الكريم، ومن أشهرهم الشيخ شعبان الصياد، أحد أبرز قراء الإذاعة والتلفزيون المصري، كما نقلت الإذاعة المصرية شعائر صلاة الجمعة من المسجد بعد أحد أعمال التجديد، وكان القارئ يومها الشيخ محمود علي البنا.

مكونات المسجد

يتكون مسجد سيدي زوين من صحن رئيسي للصلاة تبلغ مساحته نحو 750 مترًا مربعًا، ويضم ضريح الشيخ محمد زين الدين زوين، ومكتبة دينية تضم مجموعة من الكتب النادرة، بالإضافة إلى مصلى للسيدات، وآخر خارجي للرجال، ودورات مياه، فضلًا عن منبر أثري يعود إلى عصر الخديو عباس حلمي الثاني، وما زالت اللوحة التذكارية المثبتة عليه توثق تاريخ تجديده.

وبفضل تاريخه الممتد، ومكانته العلمية والدينية، يظل مسجد سيدي زوين أحد أبرز المعالم الإسلامية في محافظة المنوفية، وشاهدًا حيًا على رحلة عالم جاء من الطائف إلى مصر، ليترك أثرًا علميًا وروحيًا ما زال حاضرًا حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى