علاء عبدالله يكتب: عندما يتحول الظن إلى شرارة للصراع.. قراءة في رؤية علي محمد الشرفاء الحمادي لبناء السلام من داخل النفس
يقدم الكاتب أحمد شعبان، في قراءته لمقال المفكر العربي الكبير الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي بعنوان “الظن بين الناس باب للرحمة أو باب للعدوان”، طرحًا فكريًا يتجاوز المفهوم التقليدي لسوء الظن باعتباره سلوكًا فرديًا، ليضعه في إطار أوسع باعتباره أحد أهم الأسباب التي تؤثر في استقرار المجتمعات وصناعة العلاقات الإنسانية.
فالكاتب يرى أن المقال ينطلق من رؤية قرآنية عميقة تعتبر أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بمعالجة النتائج، وإنما بمعالجة البدايات الأولى التي تنشأ داخل النفس الإنسانية قبل أن تتحول إلى أفعال وسلوكيات.
ويؤكد أحمد شعبان أن أبرز ما يميز الطرح الذي يقدمه علي محمد الشرفاء الحمادي هو تركيزه على أن العدوان لا يبدأ بالسلاح أو بالكلمات الجارحة، وإنما يبدأ بفكرة صغيرة تستقر داخل الإنسان تتمثل في سوء الظن بالآخرين، فهذه الفكرة إذا تركت دون مراجعة أو تهذيب تتحول تدريجيًا إلى سلسلة من السلوكيات السلبية تبدأ بالاتهام، ثم التجسس، فالغيبة، فالقطيعة، وصولًا إلى النزاعات والصراعات التي قد تمتد آثارها من الفرد إلى الأسرة، ثم إلى المجتمع، بل وربما إلى العلاقات بين الدول والشعوب، ومن هنا يبرز المنهج القرآني، بحسب القراءة، باعتباره منهجًا استباقيًا لا يكتفي بتحريم العدوان، وإنما يغلق أبوابه منذ اللحظة الأولى التي يتولد فيها داخل النفس.
وتتوقف القراءة عند نقطة يصفها الكاتب بأنها من أهم الرسائل التي يحملها المقال، وهي التمييز الواضح بين مفهوم الظن ومفهوم التثبت، فالظن، كما يوضح، يقوم على إصدار الأحكام دون دليل، بينما يعتمد التثبت على البحث عن الحقيقة والاستناد إلى العلم والبرهان قبل اتخاذ أي موقف، ويرى أن هذا المبدأ لا يمثل مجرد توجيه أخلاقي، بل يشكل منهجًا معرفيًا متكاملًا يجعل الحقيقة أساسًا لكل حكم، والدليل شرطًا لكل قرار، وهو ما يعكس دقة المنهج القرآني في بناء العقل الإنساني.
وتربط القراءة بين هذا الطرح القرآني والواقع المعاصر، مشيرة إلى أن العالم اليوم يعيش في زمن تتدفق فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، إلا أن هذا التدفق لا يعني بالضرورة الوصول إلى الحقيقة، فكثير من الأزمات السياسية والاجتماعية بل وحتى بعض الصراعات الدولية، بدأت نتيجة إشاعات أو أخبار غير موثقة أو صور جرى اجتزاؤها من سياقها، ثم تحولت إلى مواقف وعداوات استمرت آثارها لسنوات.
ومن هذا المنطلق يرى الكاتب أن دعوة القرآن إلى التبين والتثبت تبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى، خاصة في عصر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت بيئة خصبة لانتشار الأخبار دون تحقق.
كما تتناول القراءة فكرة أخرى يبرزها مقال علي محمد الشرفاء الحمادي، وهي أن الأصل في الإنسان هو البراءة، وليس الاتهام، فالقرآن، كما يوضح الكاتب، يدعو إلى بناء العلاقات على أساس الثقة وحسن الظن، ولا يجعل الشك قاعدة في التعامل مع الآخرين، وإنما استثناء لا يُلجأ إليه إلا عند وجود أدلة واضحة، ويرى أن ترسيخ هذا المبدأ داخل الأسرة، وبين الجيران، وفي بيئات العمل، وحتى في العلاقات بين الشعوب، من شأنه أن يحد من كثير من صور التوتر وسوء الفهم التي تنشأ نتيجة الأحكام المسبقة.
ولا تقف القراءة عند حدود العلاقات بين الناس، بل تمتد إلى العلاقة بين الإنسان وربه، حيث يشير الكاتب إلى أن المقال يلفت الانتباه إلى أخطر صور الظن، وهو سوء الظن بالله سبحانه وتعالى. فالإنسان الذي يؤمن بعدل الله ورحمته وحكمته يعيش حالة من الطمأنينة والثقة، بينما يؤدي بناء العلاقة مع الله على أساس الظنون والأوهام إلى فقدان اليقين والسكينة، ومن هنا يؤكد المقال، بحسب القراءة، أن القرآن يربط دائمًا بين الإيمان القائم على العلم واليقين، وبين العمل الصالح الذي يعكس هذا الإيمان في الواقع.
ويرى أحمد شعبان أن الرسالة التي يحملها المقال تمتد إلى معالجة أزمة أعمق يعيشها العالم المعاصر، وهي أزمة المنهج في التعامل مع المعلومات. فالمشكلة، في رأيه، ليست في نقص الأخبار أو المعرفة، وإنما في غياب التثبت قبل إصدار الأحكام. فكثيرون يمتلكون القدرة على تداول الأخبار، لكنهم لا يمنحون أنفسهم الوقت الكافي للتحقق منها أو فهم سياقها الكامل، الأمر الذي يؤدي إلى انتشار الأحكام المتسرعة وتعميق الانقسامات داخل المجتمعات.
وفي هذا السياق، يشير الكاتب إلى المشروع الفكري الذي تتبناه مؤسسة رسالة السلام العالمية برئاسة المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، والذي يقوم على الدعوة إلى العودة إلى القرآن الكريم باعتباره المرجعية الأساسية لبناء العقل الإنساني، وترسيخ قيم العدل والرحمة، وإعلاء قيمة اليقين القائم على الدليل، بعيدًا عن الظنون والأحكام المسبقة التي تفسد العلاقات بين الناس.
ويختتم أحمد شعبان قراءته بالتأكيد على أن بناء مجتمع آمن لا يبدأ من تشديد العقوبات أو كثرة القوانين، وإنما يبدأ من تربية الضمير الإنساني على عدم إصدار الأحكام إلا بعلم، وعدم اتهام الآخرين إلا ببينة، وعدم السماح للظنون بأن تتحول إلى قائد للعقل والسلوك، فحين يتحرر الإنسان من أسر الأوهام، ويجعل القرآن ميزانًا لأقواله وأفعاله، يصبح أكثر عدلًا ورحمة، وأكثر قدرة على صناعة السلام مع نفسه ومع مجتمعه.
وفي النهاية، تخلص القراءة إلى أن الرسالة الأعمق التي يقدمها مقال علي محمد الشرفاء الحمادي تتمثل في أن السلام الحقيقي لا يبدأ بإيقاف الحروب فقط، وإنما يبدأ بإيقاف الظنون التي تمهد لها. فكل علاقة إنسانية مستقرة تنطلق من حسن الظن والثقة، وكل صراع يبدأ بفكرة خاطئة لم تجد من يصححها، وبين هذين الطريقين، يظل الإنسان مسؤولًا عن الاختيار، إما أن يجعل حسن الظن مدخلًا للرحمة والتفاهم، أو يترك سوء الظن يفتح أبواب العدوان والانقسام.



