شيخ العرب همام.. سلطان الصعيد الذي صنع مجد الهمامية ورسخ إرثًا قبليًا امتد لقرون
أسماء صبحي – يعد تاريخ صعيد مصر حافلًا بالشخصيات والقبائل التي تركت بصمات واضحة في الحياة السياسية والاجتماعية. وتأتي قبائل هوارة في مقدمة تلك القبائل التي لعبت دورًا محوريًا في تشكيل المشهد التاريخي للجنوب المصري. وتشير المصادر التاريخية إلى أن هوارة انتقلت إلى مصر عبر موجات هجرة متعاقبة. واستقرت بصورة كبيرة في صعيد البلاد خلال العصور الفاطمية وما بعدها قبل أن تتحول مع مرور الوقت إلى إحدى أقوى القوى القبلية في الجنوب.
وبفضل امتلاكها مساحات واسعة من الأراضي الزراعية ونفوذها الاجتماعي والاقتصادي. أصبحت قبائل هوارة صاحبة تأثير كبير في إدارة شؤون الصعيد، حتى إن عددًا من المؤرخين رأوا أن مناطق واسعة من جنوب مصر كانت تخضع عمليًا لنفوذ شيوخ هوارة أكثر من خضوعها للسلطة المركزية في القاهرة. ومن بين الفروع التي خرجت من هذه القبيلة العريقة برزت عائلة الهمامية. التي ارتبط اسمها بأشهر زعمائها شيخ العرب همام، وأصبحت رمزًا للزعامة العربية في صعيد مصر.
شيخ العرب همام
ولد شيخ العرب همام، واسمه الكامل همام بن يوسف بن أحمد بن محمد بن همام، نحو عام 1709 في منطقة فرشوط بمحافظة قنا داخل أسرة عرفت بالزعامة والنفوذ. إذ كان والده الشيخ يوسف أحد كبار زعماء قبائل هوارة. ورغم المكانة التي ورثها عن أسرته، فإن همام لم يكتفي بما آل إليه من نفوذ. بل استطاع بفضل قدراته القيادية وحكمته في إدارة النزاعات أن يوسع دائرة سلطته بصورة غير مسبوقة.
ومع مرور السنوات أصبح الزعيم الأول لقبائل هوارة ثم فرض نفوذه على معظم أنحاء الصعيد. حتى امتدت سلطته من محافظة المنيا شمالًا مرورًا بأسيوط وسوهاج وقنا والأقصر، وصولًا إلى أسوان جنوبًا. في وقت كانت فيه مصر تشهد صراعات متواصلة بين المماليك والسلطة العثمانية.
إدارة متكاملة للصعيد خارج السلطة الرسمية
لم يكن همام مجرد زعيم قبلي يتولى الفصل بين الخصومات، بل نجح في بناء نموذج إداري متكامل داخل المناطق الخاضعة لنفوذه. فقد أشرف على حفظ الأمن، وتنظيم الزراعة، وتأمين القرى، وحماية القوافل التجارية التي كانت تربط شمال مصر بجنوبها. كما تولى الفصل في المنازعات وفق الأعراف السائدة الأمر الذي أكسبه ثقة الأهالي الذين كانوا يلجأون إليه لحل مشكلاتهم قبل اللجوء إلى ممثلي الدولة.
وقد حظيت شخصيته بإشادة عدد من كبار المؤرخين، وفي مقدمتهم المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي الذي وصفه بأنه كان ملاذًا للفقراء والأمراء. مشيرًا إلى اتساع دائرة عطائه وعدالته، وهو ما يعكس المكانة التي احتلها في المجتمع المصري خلال القرن الثامن عشر.
أبرز ملامح شخصيته
ارتبط اسم شيخ العرب في الذاكرة الشعبية بقيم الشهامة والكرم. إذ تذكر الروايات التاريخية أن ديوانه كان مفتوحًا أمام الجميع دون تمييز. وأن المسافرين والفقراء وأبناء السبيل كانوا يجدون فيه المأوى والطعام وحسن الضيافة دون سؤال عن أصولهم أو وجهتهم.
وكان يرى أن مكانة شيخ القبيلة لا تكتمل إلا بخدمة الناس ورعاية مصالحهم. وهو ما جعل سيرته تتحول إلى جزء من التراث الشعبي في صعيد مصر، حيث تناقلت الأجيال قصصًا عديدة عن مواقفه الإنسانية وعدله بين الناس.
صراع مع المماليك ونهاية مرحلة تاريخية
أدى اتساع نفوذ شيخ العرب همام وسيطرته على معظم موارد الصعيد إلى إثارة مخاوف المماليك الذين رأوا في قوته تهديدًا مباشرًا لنفوذهم السياسي والاقتصادي. ودخل الطرفان في سلسلة من الصراعات والمعارك التي تمكن همام من تحقيق انتصارات في عدد منها. إلا أن استمرار المواجهات وما صاحبها من تحالفات ومؤامرات أضعف قوته تدريجيًا.
وفي عام 1769 توفي شيخ العرب همام لتنتهي بذلك واحدة من أبرز مراحل التاريخ السياسي والاجتماعي في صعيد مصر. غير أن اسمه بقي حاضرًا باعتباره أحد أشهر الزعماء العرب الذين تركوا أثرًا عميقًا في تاريخ الجنوب المصري.
الهمامية
تمثل الهمامية الفرع الأشهر المنحدر من قبائل هوارة وقد ارتبط اسمهم تاريخيًا بشيخ العرب همام. وعلى مدار أكثر من قرنين ونصف، حافظ أبناء الهمامية على وجودهم الاجتماعي وانتشارهم داخل محافظات الصعيد. خاصة في محافظة قنا التي تعد المركز التاريخي الأكبر للعائلة، ولا سيما في مناطق فرشوط، والرئيسية، ودشنا، والشاورية، ونجع حمادي.
كما ينتشر أبناء الهمامية في محافظات الأقصر وسوهاج وأسيوط والمنيا. إلى جانب وجودهم في القاهرة والجيزة والإسكندرية وعدد من المحافظات الأخرى نتيجة انتقال كثير من الأسر خلال العقود الأخيرة.
ولا يزال أبناء الهمامية يحرصون على تنظيم لقاءات واجتماعات دورية تجمع أفراد العائلة من مختلف المحافظات. في إطار الحفاظ على صلة الرحم وتعزيز الروابط الاجتماعية بين الأجيال الجديدة، بما يعكس استمرار حضور الهوية القبلية رغم تغير أنماط الحياة.
فهمي عمر أحد أبرز أبناء الهمامية
أنجبت الهمامية العديد من الشخصيات البارزة التي تركت بصمات واضحة في مختلف المجالات. ويأتي في مقدمتهم الإذاعي الكبير فهمي عمر الذي عرف بلقب “شيخ الإذاعيين”. وولد فهمي عمر عام 1928 بقرية الرئيسية التابعة لمركز نجع حمادي بمحافظة قنا وتخرج في كلية الحقوق. قبل أن يلتحق بالإذاعة المصرية عام 1950 حيث استمرت مسيرته المهنية نحو سبعة وثلاثين عامًا.
وخلال مشواره الإعلامي قدم عددًا من أشهر البرامج الإذاعية أبرزها برنامج “ساعة لقلبك” الذي ساهم في اكتشاف ودعم عدد كبير من نجوم الكوميديا. كما كان من أوائل المعلقين الرياضيين في مصر وتولى لاحقًا رئاسة الإذاعة المصرية خلال ثمانينيات القرن الماضي. قبل أن يخوض العمل النيابي عضوًا بمجلس الشعب ليظل واحدًا من أبرز رموز الإعلام المصري.
إرث يتجاوز الزمن
ورغم مرور أكثر من 250 عامًا على رحيل شيخ العرب همام، فإن سيرته ما تزال حاضرة في الكتب التاريخية والذاكرة الشعبية. بوصفه أحد أبرز القادة الذين استطاعوا فرض الاستقرار وبناء نفوذ واسع في صعيد مصر خلال فترة اتسمت بالاضطرابات السياسية.
كما يواصل أبناء الهمامية الحفاظ على إرثهم التاريخي والاجتماعي من خلال انتشارهم في مختلف أنحاء الجمهورية وإسهاماتهم في مجالات الإعلام والقضاء والقوات المسلحة والجامعات والعمل العام. ليبقى اسم شيخ العرب همام رمزًا للقيادة والزعامة وإحدى الشخصيات الأكثر تأثيرًا في تاريخ جنوب مصر.



