تاريخ ومزارات

حنش الصنعاني.. التابعي الذي فتح البلاد وحدد قبلة المساجد وصنع بصمته في الأندلس

في صفحات التاريخ الإسلامي رجال لم يكتفوا بحمل السيف في ميادين القتال، بل جمعوا بين العلم والدعوة والفقه والبناء، فتركوا آثارا خالدة امتدت عبر القرون، ومن بين هؤلاء يبرز اسم حنش بن عبد الله الصنعاني، التابعي الجليل الذي جمع بين الفقيه والمجاهد والقائد العسكري والمهندس المعماري، فكان أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في نشر الإسلام وترسيخ حضارته في شمال إفريقيا والأندلس.

من هو حنش الصنعاني

ينتسب حنش الصنعاني إلى مدينة صنعاء في اليمن، ونشأ في بيئة علمية ودينية أهلته ليصبح من كبار التابعين، وعرف بالشجاعة والجرأة والتمسك بالحق، فلم يساوم على مبادئه ولم يخش في الله لومة لائم، كما اشتهر بعلمه الغزير وفقهه الواسع ومشاركته الفاعلة في الأحداث الكبرى التي شهدها عصره.

وخلال أحداث الفتنة الكبرى وقف حنش إلى جانب الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وانتقل إلى الكوفة حيث شارك في مواجهة الخوارج، وظل من أنصار علي حتى استشهاده سنة 40 للهجرة.

وبعد ذلك توجه إلى مصر، التي أصبحت آنذاك قاعدة رئيسية للفتوحات الإسلامية نحو الغرب، وشارك في حملات فتح شمال إفريقيا بقيادة الصحابي رويفع بن ثابت سنة 47 هجرية، كما شارك في فتح جزيرة جربة التونسية، ثم واصل جهاده مع القائد معاوية بن حديج سنة 50 هجرية.

وعندما اندلع الصراع بين عبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان على الخلافة، أعلن حنش تأييده لعبد الله بن الزبير، وبايعه على الخلافة، وقدر ابن الزبير مكانته وعلمه، فعينه واليا على صنعاء، إلا أن ولايته لم تستمر طويلا بسبب التطورات السياسية والعسكرية التي شهدها العالم الإسلامي في تلك الفترة.

ولم يكن حنش مجرد قائد أو رجل سياسة، بل كان من كبار الفقهاء والعلماء في عصره، وتتلمذ على أيدي عدد من كبار الصحابة، وفي مقدمتهم عبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، الأمر الذي أكسبه مكانة علمية كبيرة بين أهل زمانه.

ولأهمية دوره العلمي اختاره الخليفة عمر بن عبد العزيز ضمن بعثة ضمت عشرة من كبار التابعين والفقهاء، وأرسلهم إلى إفريقية لنشر الإسلام وتعليم المسلمين أمور دينهم وترسيخ مبادئ الشريعة في المناطق التي دخلها الإسلام حديثا.

وكان لحنش دور بارز في الفتوحات الإسلامية بشمال إفريقيا، فبعد استشهاد القائد عقبة بن نافع وسيطرة كسيلة على أجزاء من إفريقية، قاد حنش الصنعاني من تبقى من قوات المسلمين، وتمكن من إعادتهم سالمين إلى المشرق سنة 64 هجرية، في واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها الفتوحات الإسلامية في تلك المنطقة.

وبعد سنوات عاد إلى إفريقية مرة أخرى، واستقر بمدينة القيروان، التي كانت آنذاك إحدى أهم الحواضر الإسلامية في المغرب الإسلامي، وهناك كرس حياته للدعوة والتعليم والإرشاد، فأنشأ دارا ومسجدا في حي باب الريح، وأصبح من أبرز علماء القيروان ودعاتها.

كما تولى مهمة جمع عشور إفريقية، وهي من المناصب المهمة في الإدارة الإسلامية آنذاك، واستمر في نشر العلم والدعوة بين الناس.

وعندما انطلقت حملات فتح الأندلس، شارك حنش الصنعاني مع القائد موسى بن نصير سنة 93 هجرية، وأسهم في ترسيخ الوجود الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، ليس بالسيف وحده، بل بالعلم والعمران أيضا.

واشتهر حنش الصنعاني بموهبة فريدة جعلته من أبرز خبراء بناء المساجد في عصره. فقد امتلك قدرة استثنائية على تحديد اتجاه القبلة ووضع المحاريب وتخطيط المساجد في المدن الجديدة.

وكان تحديد القبلة في ذلك العصر من أكثر المسائل تعقيدا، نظرا لغياب الوسائل الحديثة وامتداد الفتوحات الإسلامية إلى مناطق بعيدة عن الجزيرة العربية إلا أن خبرة حنش ومعرفته الواسعة جعلت منه مرجعا في هذا المجال، فساهم في تخطيط عدد كبير من المساجد في شمال إفريقيا والمغرب والأندلس.

ومن أشهر الأعمال التي ارتبطت باسمه مسجد قرطبة الجامع، أحد أعظم الصروح المعمارية الإسلامية في التاريخ.

وقد شارك حنش في تحديد موقع المسجد واتجاه قبلته ووضع أساساته الأولى سنة 94 هجرية، قبل أن يشهد المسجد لاحقا توسعات ضخمة خلال عهد الأمير عبد الرحمن الداخل سنة 168 هجرية الموافق 784 ميلادية.

وبدأت مساحة المسجد بنحو 4875 مترا مربعا، ثم توسع على مدار ما يقرب من ثلاثة قرون حتى بلغت مساحته نحو 22500 متر مربع، ليصبح واحدا من أكبر المساجد في العالم الإسلامي.

ويتميز مسجد قرطبة بسقفه الضخم الذي تحمله نحو 800 عمود حجري، إضافة إلى أقواسه الشهيرة التي أصبحت علامة مميزة للعمارة الإسلامية الأندلسية.

وخلال العصر الإسلامي للأندلس كان مسجد قرطبة ثاني أكبر مسجد في العالم الإسلامي، كما احتضن مدرسة علمية كبرى شكلت النواة الأولى لجامعة قرطبة، التي تحولت لاحقا إلى واحدة من أهم المؤسسات العلمية في أوروبا خلال العصور الوسطى.

وقصد طلاب العلم من مختلف أنحاء أوروبا مدينة قرطبة للاستفادة من علومها ومكتباتها وعلمائها، الذين أسهموا في نهضة الحضارة الإنسانية.

لكن بعد سقوط مدينة قرطبة في يد القوات القشتالية سنة 1236م، تعرض المسجد لتغييرات كبيرة، حيث حولته السلطات الجديدة إلى كنيسة، ومنعت المسلمين من إقامة شعائرهم فيه.

وفي عام 2014م أثار تسجيل المبنى باسم أسقفية قرطبة جدلا واسعا، بعدما اعتبر كثير من الباحثين والمؤرخين أن تلك الخطوة تجاهلت الهوية الإسلامية التاريخية للمبنى الذي يعد أحد أبرز معالم الحضارة الإسلامية في أوروبا.

ولم يقتصر دور حنش الصنعاني على مسجد قرطبة فقط، بل أشرف كذلك على بناء وتحديد قبلة عدد من المساجد الكبرى في شمال إفريقيا والأندلس.

ومن أبرز هذه المساجد الجامع الأبيض في مدينة سرقسطة، التي كانت عاصمة الثغر الأعلى في الأندلس، وقد وضع حنش تصميم المسجد وحدد قبلته وأشرف على إنشائه، ثم وسع الأمير محمد بن عبد الرحمن المسجد لاحقا مع الحفاظ على أسسه الأولى.

وظل الجامع الأبيض قرونا طويلة مركزا للعلم والدعوة ومنارة للإسلام في شمال الأندلس، حتى سقوط المدينة وانتهاء الحكم الإسلامي فيها.

كما أشرف حنش على إنشاء عدد من المساجد في القيروان، ولا يزال أحد هذه المساجد يحمل اسمه حتى يومنا هذا، شاهدا على الدور الكبير الذي لعبه في نشر الإسلام والعمران الإسلامي في بلاد المغرب.

وبعد حياة حافلة بالعلم والجهاد والبناء والدعوة، توفي حنش بن عبد الله الصنعاني سنة 100 للهجرة، وقد ناهز التسعين من عمره.

واختار الإقامة في مدينة سرقسطة بالأندلس حتى وفاته، ودفن في مدافن باب القبلة، حيث ظل قبره معروفا عبر الأجيال.

ورغم مرور أكثر من ثلاثة عشر قرنا على رحيله، ما زال اسم حنش الصنعاني حاضرا في صفحات التاريخ الإسلامي، بوصفه واحدا من الرجال الذين جمعوا بين الفقه والجهاد والعمران، وأسهموا في بناء حضارة امتدت من اليمن إلى القيروان، ومن إفريقية إلى الأندلس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى