تاريخ ومزارات

رحلة المحمل المصري.. كيف صنعت مصر مجد كسوة الكعبة لسبعة قرون

على امتداد سبعة قرون، حرصت مصر على صناعة كسوة الكعبة المشرفة، واحتفت بهذا الحدث في أجواء احتفالية مهيبة شارك فيها كبار رجال الدولة، كما حمل سلاطين الدولة المملوكية لقب خدام الحرمين الشريفين، وكان موكب المحمل ينطلق من القاهرة متوجهًا إلى الحجاز، مصطحبًا معه حجاج بيت الله الحرام في موكب ضخم يجسد عظمة المناسبة.

كيف صنعت مصر مجد كسوة الكعبة لسبعة قرون

انطلقت قافلة المحمل المصري كل عام نحو مكة وهي تحمل الكسوة الجديدة، وتجوّلت شوارع القاهرة لمدة ثلاثة أيام وسط مظاهر الفرح، حيث امتلأت الأرجاء بأصوات الطبول والمزامير، وزينت المحال التجارية، ورافق الاحتفال رقصات الخيول الشعبية، وشهد الوالي أو نائبه الموكب بنفسه، وضم المحمل جملاً يحمل صناديق الكسوة، تلته جمال أخرى تنقل المياه وأمتعة الحجاج، وتقدمه الجنود لتأمين الطريق، بينما سارت خلفه فرق الطرق الصوفية وهم يرفعون الرايات ويقرعون الطبول.

شكل المحمل هودجًا فارغًا يقال إن أصله كان الهودج الذي ركبته شجرة الدر، سلطانة مصر، أثناء حجها إلى مكة، حيث جهزت لنفسها هودجًا مربعًا تعلوه قبة، واصطحبت فيه الكسوة، ومنذ تلك الرحلة ارتبط اسم المحمل بالموكب السنوي، بعد انتهاء مناسك الحج، عاد المحمل إلى مصر حاملًا الكسوة القديمة التي قُطّعت ووزعت على الأمراء والنبلاء للتبرك، واحتُفظ ببعض أجزائها في متحف كسوة الكعبة، بينما وُضع بعضها الآخر في أضرحة الأسرة الملكية.

لم يقتصر المحمل على المصريين فقط، بل شارك فيه حجاج من المغرب والأندلس وإفريقيا والبلاد العثمانية، كما التحق به أمراء وملوك اجتمعوا في القاهرة، التي كانت محطة رئيسية تعكس مكانة مصر في أعين الوافدين إليها.

لم يبدأ دور مصر في صناعة الكسوة خلال العهد الفاطمي كما يظن البعض، بل يرجع إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب الذي أمر باستخدام القماش المصري المعروف باسم القباطي، وهو نوع فاخر كان يُنسج في الفيوم على يد أقباط مصر الذين اشتهروا بمهارتهم في صناعة الأقمشة الفاخرة.

تحملت مصر تكلفة عالية في سبيل صناعة الكسوة، فخصص السلطان الناصر محمد بن قلاوون خراج قريتي باسوس وأبو الغيط بالقليوبية لتغطية النفقات، إلا أن هذه العوائد لم تكن كافية، فأضاف السلطان العثماني سليمان القانوني خراج سبع قرى أخرى ومع تزايد التكاليف، فرضت السلطات ضرائب إضافية على سكان هذه القرى، حتى جاء عهد محمد علي باشا فأمر بتحمل خزينة الدولة كامل التكاليف.

لم يكن المحمل المصري مجرد موكب يحمل كسوة الكعبة، بل حمل في تفاصيله رمزية عميقة لمكانة مصر الدينية والثقافية، وعكس دورها المحوري والعريق في خدمة الحرمين الشريفين على مر العصور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى