المزيد

القليس الجوهرة المنسية تحت تراب صنعاء قصة كنيسة أرادت منافسة الكعبة

في حارة القطيع بقلب صنعاء القديمة، تقبع حفرة محاطة بسور متهالك، هي كل ما تبقى من كنيسة القليس، ذلك المعلم التاريخي الذي أمر ببنائه أبرهة الاشرَم الحبشي في محاولة جريئة لتحويل أنظار العرب عن الكعبة المشرفة، واليوم لم يعد هذا الصرح قائما إلا كأثر صغير يحمل قيمة حضارية ومعمارية كبيرة، لكنه تحول مع الزمن إلى مكب للنفايات، في مشهد يعكس حجم الاهمال الذي طال واحدا من اخطر الشواهد الدينية والتاريخية في شبه الجزيرة العربية.

تاريخ القليس

تعود قصة كنيسة القليس إلى عام 525 بعد الميلاد، حين دخل الاحباش اليمن واتخذوا من صنعاء عاصمة لهم، فبادروا إلى تشييد هذه الكنيسة الضخمة، وبحسب الدكتور علي سيف استاذ التاريخ في جامعة صنعاء، فقد ارسل الامبراطور البيزنطي عمالا اغريقا محملين بالفسيفساء والمرمر لبنائها، لتكون محطة رئيسية للمسيحيين في جزيرة العرب، وكان الهدف الاساسي من انشائها سحب الاضواء من الكعبة المشرفة وتحويل مسار الحج اليها.

شيدت القليس على غرار اعظم الكنائس في العالم المسيحي مثل كنيسة القيامة وكنيسة الميلاد في فلسطين، وبقيت قائمة لما يقارب قرنين من الزمن، قبل ان يبدأ الاهمال يطالها مع فجر الاسلام، ثم جاء الهدم الكامل في عهد الخليفة العباسي ابي العباس السفاح عام 136 للهجرة، عندما ارسل واليه على اليمن الربيع الحارثي، فتم نهب الكنيسة من الذهب والفضة والفسيفساء، وتسويتها بالارض، واستخدمت احجارها واعمدتها لاحقا في بناء الجامع الكبير بصنعاء القديمة.

وتحيط بكنيسة القليس روايات كثيرة تمتزج فيها الحقيقة بالخيال، اذ تشير مصادر تاريخية إلى انها بنيت على ربوة بارتفاع خمسة امتار، وكان يحيط بها فناء واسع، بينما كانت ابوابها مطلية بالذهب والفضة، ولم يتبق منها اليوم سوى حفرة دائرية تعرف باسم غرقة القليس، ويتداول اهالي صنعاء القديمة قصصا عن سرداب طويل يمتد تحت احياء عدة، ويصل طوله إلى اكثر من ثلاثة كيلومترات، كما يروي الحاج علي احد كبار السن في المدينة، متمنيا ان تقوم الجهات المعنية بالتنقيب عنه لاحتمال احتوائه على اثار مدفونة.

الدكتور محمد العروسي استاذ الاثار والعمارة الاسلامية في جامعة صنعاء، يرى ان بناء القليس جاء ضمن مشروع حبشي روماني ضخم، هدفه انشاء كاتدرائية لا مثيل لها تعرف بكاتدرائية صنعاء، ثم هدم الكعبة وتوجيه الناس للحج اليها، وهو المشروع الذي انهار بعد فشل حملة ابرهة لهدم البيت الحرام، وبدء المقاومة اليمنية بقيادة سيف بن ذي يزن بدعم فارسي لطرد الاحباش من اليمن.

من الناحية المعمارية، لا توجد دراسات مسحية دقيقة للكنيسة، لكنها كانت عملاقة، واستخدمت في بنائها دعامات ضخمة من قصر غمدان التاريخي، ويقال ان ارتفاع بعض هذه الدعامات وصل إلى عشرة اذرع، ولا تزال بقايا منها قائمة ومسورة حتى اليوم، فيما تشير روايات اخرى إلى وجود خندق يربط القليس بقلعة صنعاء المعروفة بقصر السلاح.

ورغم هذه القيمة التاريخية، تواجه كنيسة القليس تجاهلا واستنكارا واسعين، اذ تؤكد امة الرزاق جحاف وكيلة الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية، ان الكنيسة تمثل جوهرة معمارية فريدة، لكنها لم تحظ باعتراف المجتمع باعتبارها معلما تاريخيا، بل ينظر اليها البعض كلعنة مرتبطة بالعداء للاسلام، وهو ما حال دون حمايتها وترميمها، رغم ان بقاءها يعكس تسامح الاديان واحترام التاريخ.

وتشير جحاف إلى انها تتذكر من طفولتها وجود سرداب مغلق بباب حديدي اسفل الكنيسة، حاول بعض المستكشفين الاجانب في الثمانينيات عبوره دون جدوى، بينما يرى احمد البيل نائب المدير التنفيذي للترويج السياحي ان الوقت اصبح متاخرا للاهتمام بالقليس، وان التقصير جاء من الجهات الرسمية والسكان معا.

ويصف احمد محمد احد سكان صنعاء القديمة الوضع الحالي للكنيسة قائلا ان الاهتمام بها يكاد يكون معدوما، فقد تحولت إلى مقلب قمامة ومكان لتجمع مخلفات السيول، بعد ان كانت مقصدا للسائحين من مختلف دول العالم، مشيرا إلى ان كثيرا من منازل صنعاء بنيت من احجار هذه الكنيسة، ولو كانت في دولة اخرى لتم استثمارها سياحيا ووفرت دخلا كبيرا لليمن.

اما عوض حميد احد القلة الذين ما زالوا يزورون القليس، فيعتبر ان اهمال هذا المعلم خسارة فادحة، فقصة الكنيسة مرتبطة بحدث تاريخي عظيم ورد في سورة الفيل، ويصفها بانها ثاني اهم معلم ديني تاريخي في شبه الجزيرة العربية بعد الكعبة المشرفة، حيث تجسد محاولة ابرهة لهدم البيت الحرام، وقصة الطير الابابيل التي انهت جيشه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى