أسود الماء..كيف صنعت مصر القديمة أسطول بحري سبق عصره؟

أميرة جادو
لم تقتصر عظمة الحضارة المصرية القديمة على معابدها الشامخة وآثارها الخالدة فحسب، بل امتدت لتشمل قوة بحرية متقدمة منحتها القدرة على تجاوز حدود وادي النيل، فمع ازدهار الحياة على ضفاف النهر، أدرك المصريون القدماء منذ وقت مبكر أهمية التحكم في طرق الملاحة وامتلاك أسطول قوي يضمن التجارة والدفاع والتواصل مع العالم الخارجي.
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور محمود حامد الحصري، أستاذ الآثار واللغة المصرية القديمة المساعد بجامعة الوادي الجديد، أن مصر القديمة شهدت نشأة منظومة بحرية متطورة في وقت مبكر، حيث أسهمت براعة المصريين في صناعة السفن، وتطوير أساليب القتال، وتنظيم الأساطيل في ترسيخ مكانة مصر كقوة إقليمية سبقت عصرها.
أولاً: جذور الملاحة في فجر الحضارة
بدأ ارتباط المصريين بالملاحة منذ عصور ما قبل التاريخ، حين استخدموا قوارب البردي لعبور النيل والتنقل بين ضفتيه. ومع تطور الدولة، تحولت هذه القوارب البدائية إلى سفن خشبية كبيرة قادرة على خوض البحار، بفضل الاعتماد على أخشاب محلية وأخرى مستوردة من لبنان، وعلى رأسها خشب الأرز المتين.
وتكشف مناظر المقابر والمعابد في عصر الدولة القديمة عن ظهور مبكر لصناعة السفن الضخمة التي شكّلت اللبنة الأولى للأسطول المصري.
ثانياً: تنوع السفن ووظائفها
امتلك المصريون القدماء أسطولاً متنوعاً من السفن، شمل:
- سفناً نهرية مخصصة للتنقل اليومي والمسافات القصيرة.
- سفناً تجارية بحرية كبيرة وعميقة لنقل البضائع الثقيلة.
- سفناً حربية سريعة للمناورة والاشتباك.
- سفناً دينية تستخدم في الطقوس والمواكب المقدسة.
كما تعتبر سفينة الملك خوفو من أبرز النماذج، إذ يقدر طولها بنحو 43 متراً، وتصنف كواحدة من أقدم وأهم الشواهد البحرية في تاريخ الإنسانية.
ثالثاً: الرحلات البحرية الكبرى
1- بعثات بلاد بونت
تمثل رحلة الملكة حتشبسوت إلى بلاد بونت نموذجاً بارزاً للتقدم البحري المصري، حيث وثقت نقوش معبد الدير البحري أسطولاً متكاملاً محملاً بالبخور والأخشاب والذهب والحيوانات النادرة، في واحدة من أعظم الرحلات التجارية في التاريخ القديم.
2- الحملات العسكرية البحرية
كما اضطلع الأسطول بدور حاسم في تأمين السواحل المصرية، ويبرز ذلك بوضوح في معركة الملك رمسيس الثالث ضد شعوب البحر عام 1175 قبل الميلاد، والتي تعتبر من أقدم المعارك البحرية الموثقة في التاريخ.
رابعاً: التنظيم العسكري للأسطول البحري
كشف الأسطول المصري عن مستوى متقدم من التنظيم والانضباط، تمثل في:
- بحارة محترفين حملوا لقب “عبر”، وهو لقب مميز عن جنود الجيش البري.
- قادة ذوي رتب رفيعة مثل “مدير الأسطول” و”رئيس الأسطول”.
- تقسيم الأسطول إلى طائفتين من السفن عرفتا باسم “الأسطول البحريين”.
- وجود قيادة موحدة للجيش البري والبحري منذ الأسرة الثالثة، حيث كان أمير ملكي يتولى قيادة القوتين معاً.
- وفي عصر الأسرة السادسة، ظهرت أول ناقلات جنود في التاريخ، كما وثق الوزير “وني”.
خامساً: الأسطول ودوره في حروب التحرير
كما برز الدور المحوري للأسطول خلال عهد الملكين سقنن رع وكامس في معارك التحرير ضد الهكسوس، إذ استخدمت السفن النهرية الضخمة في نقل الجنود والعتاد، كما تحولت سفينة الملك إلى مركز قيادة متحرك امتد نفوذه حتى أطراف دلتا النيل.
سادساً: تقنيات بناء السفن
تميز المصريون القدماء بمهارات هندسية متقدمة في صناعة السفن، من أبرزها:
- ربط ألواح الخشب بالحبال والأوتاد.
- تشييد الهيكل الخارجي أولاً ثم استكمال البنية الداخلية.
- استخدام الصواري والأشرعة والمجاديف.
- الاعتماد على الأخشاب المستوردة في صناعة السفن الكبيرة.
وقد منحت هذه التقنيات السفن المصرية قوة وصلابة واستقراراً مكنتها من الإبحار لمسافات بعيدة.
سابعاً: التجارة البحرية.. شريان اقتصاد مصر
اعتمدت مصر القديمة على أسطولها البحري في:
- استيراد الأخشاب والمعادن والزيوت العطرية.
- تصدير الحبوب والكتان والبردي والصناعات الدقيقة.
- كما لعبت الموانئ المصرية دوراً محورياً بوصفها مراكز نشطة ربطت البلاد ببلاد الشام وكريت وبلاد الرافدين وأفريقيا.
ثامناً: البعد الديني والإداري للسفن
كما ارتبطت السفن ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة المصرية، حيث صور الإله رع وهو يبحر في قاربه الشمسي عبر السماء، ولهذا السبب دفنت سفن حقيقية إلى جوار الملوك، وعلى رأسها مراكب الملك خوفو.
وعلى الصعيد الإداري، تولت الدولة الإشراف الكامل على بناء السفن وصيانتها، وعينت موظفين لإدارة الموانئ وحركة التجارة، فيما شكلت صناعة السفن قطاعاً اقتصادياً ضخماً عمل فيه آلاف الحرفيين، ليظل الأسطول البحري أحد أعمدة قوة مصر القديمة وعظمتها.



