عادات و تقاليد

من الملوخية إلى المشبك.. كيف يحتفل المسلمون برأس السنة الهجرية حول العالم؟

مع استقبال السنة الهجرية الجديدة يحيي المسلمون في مختلف دول العالم مناسبة دينية وتاريخية تحمل الكثير من المعاني المرتبطة بالهجرة والتجدد وبدايات الأمل، ورغم اختلاف مظاهر الاحتفاء من دولة إلى أخرى، فإن هذه الذكرى تظل مرتبطة بحدث محوري في التاريخ الإسلامي، يتمثل في هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وهي الواقعة التي انطلق منها التقويم الهجري الذي اعتمده المسلمون منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنًا.

بداية التقويم الهجري

يرجع اعتماد التقويم الهجري إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب، الذي قرر أن تكون الهجرة النبوية نقطة الانطلاق للتاريخ الإسلامي، لما تمثله من تحول تاريخي أسهم في تأسيس الدولة الإسلامية وترسيخ مبادئ التعايش والأخوة والتخطيط للمستقبل.

ولا تعتبر السنة الهجرية مناسبة للاحتفالات الصاخبة بقدر ما تعد فرصة لاستحضار الدروس المستفادة من الهجرة النبوية. والتأمل في قيم الصبر والإيمان والاجتهاد والعمل.

وتحمل الهجرة النبوية العديد من الرسائل الإنسانية والحضارية، وفي مقدمتها أن التغيير الإيجابي يبدأ بالإرادة والتخطيط السليم، وأن مواجهة التحديات تحتاج إلى الثبات والحكمة، ولهذا تحرص المؤسسات الدينية والثقافية في عدد كبير من الدول الإسلامية على تنظيم الندوات والمحاضرات والبرامج التوعوية التي تسلط الضوء على معاني الهجرة وأبعادها الدينية والتاريخية.

كما تشهد المساجد إقبالًا واسعًا على حلقات الدروس الدينية وقراءة السيرة النبوية، إلى جانب الدعاء بأن يكون العام الجديد عام خير وبركة وسلام.

موائد خاصة وأطعمة تراثية

ورغم اختلاف مظاهر الاحتفال برأس السنة الهجرية من مجتمع إلى آخر، فإن العديد من الشعوب الإسلامية ارتبطت لديها هذه المناسبة بأطعمة ومأكولات تقليدية تناقلتها الأجيال عبر مئات السنين.

مصر.. “الملوخية الخضراء” تتصدر المشهد

في مصر، ترتبط بداية العام الهجري وشهر المحرم بطبق الملوخية الخضراء، التي تعد رمزًا للسنة الخضراء، حيث يرتبط اللون الأخضر لدى المصريين بالتفاؤل بعام مليء بالخير والرزق.

كما تحضر على الموائد أطباق الدجاج والبط المحشو والرقاق المحشو باللحم المفروم، باعتبارها من الأكلات المفضلة لدى كثير من الأسر، إلى جانب الجلاش وفطير المشلتت.

وتحرص العديد من العائلات على إعداد هذه الأطعمة وتوزيعها على الأقارب والجيران في أجواء اجتماعية. كما تعكس قيم المحبة والتكافل.

المغرب.. الكسكس على المائدة

في المغرب، تمثل رأس السنة الهجرية مناسبة لاجتماع أفراد الأسرة حول المائدة، حيث يتصدر طبق الكسكس المشهد، كما يقدم مع الخضروات واللحوم، إلى جانب الحلويات التقليدية والفواكه المجففة، في أجواء عائلية يغلب عليها الدفء والترابط.

الجزائر وتونس.. أطباق تراثية للبركة

في الجزائر وتونس، تحرص العديد من الأسر على إعداد أطباق شعبية وتراثية مثل الكسكس والرفيسة وغيرها من الأكلات التي ترمز إلى الخير والوفرة، مع تبادل الزيارات العائلية والدعوات الطيبة بمناسبة العام الهجري الجديد.

أما في تونس، فتشتهر الموائد بتقديم الكسكسي أو العصيدة الحارة بالبيض، بالإضافة إلى الملوخية التي ترمز أيضًا إلى اللون الأخضر المرتبط بالتفاؤل بعام مليء بالخيرات، كما تقدم الحلويات التقليدية الشهيرة وعلى رأسها الحلوى النابلية المعروفة باسم «عرائس السكر».

الإمارات ودول الخليج.. لقاءات عائلية ومأكولات شعبية

في دول الخليج العربي، ومنها الإمارات والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عمان. كما تعتمد الاحتفالات على التجمعات العائلية والأنشطة الدينية. فيما يتم تزيين الموائد بأطباق شعبية متنوعة مثل الهريس والثريد والمجبوس والحلويات التراثية. تأكيدًا على قيم الترابط الأسري وصلة الرحم.

وفي بلاد الشام، التي تشتهر بمطبخها العريق، يحتفل أهالي سوريا ولبنان بذكرى رأس السنة الهجرية من خلال إعداد مجموعة متنوعة من المأكولات، من أبرزها اللبن والسمبوسك والملفوف، الذي يعد من أشهر الأطباق التقليدية في المنطقة.

حلوى المشبك

أما في الأردن وفلسطين، فتتصدر حلوى «المشبك» قائمة الحلويات التي تقدم خلال هذه المناسبة، وتعد من الأصناف المحببة التي ارتبطت بالاحتفال برأس السنة الهجرية.

كما تشكل هذه المجموعة المتنوعة من الأطعمة والحلويات لوحة ثقافية تعكس التنوع والتقارب بين شعوب العالم العربي، من المشرق إلى المغرب.

إندونيسيا وماليزيا.. مواكب ووجبات جماعية

في إندونيسيا وماليزيا، وهما من أكبر الدول الإسلامية من حيث عدد السكان، تشهد المناسبة فعاليات دينية وثقافية ومواكب شعبية في بعض المناطق، إلى جانب إعداد وجبات جماعية وتوزيع الطعام على المحتاجين.

تركيا.. حلويات ومجالس ذكر

أما في تركيا، فتتزامن المناسبة مع إقامة مجالس الذكر وتلاوة القرآن الكريم، فيما تحرص بعض الأسر على تقديم الحلويات التقليدية والأطعمة التراثية التي تعبر عن خصوصية الثقافة التركية.

مناسبة لتعزيز القيم الإنسانية

كما يرى متخصصون أن أهمية رأس السنة الهجرية لا تقتصر على بعدها الديني والتاريخي فقط. بل تمتد إلى ترسيخ قيم التسامح والتكافل والتواصل الاجتماعي. كما تعتبر فرصة لتجديد الالتزام بالمبادئ الإيجابية ومراجعة الأهداف والإنجازات مع بداية عام جديد.

ورغم اختلاف العادات والأطعمة من بلد إلى آخر. فإن المسلمين حول العالم يجتمعون على معنى واحد وهو إحياء ذكرى حدث غير مجرى التاريخ الإسلامي. كما يتم استقبال عام هجري جديد بالدعاء والعمل والأمل في مستقبل أكثر إشراقًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى