عادات و تقاليد

عادة السمحة.. حق المرور الآمن في تقاليد قبائل المهرة بشرق الجزيرة العربية

أسماء صبحي – في أقصى الشرق العربي، حيث تمتد صحراء المهرة بين اليمن وسلطنة عمان، ما زالت بعض القبائل تحافظ على عادة قبلية قديمة تعرف باسم “عادة السمحة”. وهي تقليد اجتماعي يمنح الفرد المتخاصم أو الملاحق حق المرور الآمن المؤقت داخل أراضي القبيلة، بغض النظر عن النزاع القائم، إلى أن يبلغ وجهته أو تعقد جلسة صلح. ورغم تشابهها الظاهري مع مفاهيم “الجوار” و“الحمى” المعروفة عربيًا، فإن السمحة تتميز بضوابط دقيقة وتطبيقات عملية ما زالت حاضرة في الحياة اليومية للمهريين.

ماهية عادة السمحة وحدودها

السمحة ليست لجوءًا دائمًا ولا إسقاطًا للحقوق، بل تعليق مؤقّت للنزاع. ويمنح طالب السمحة إشارة أمان لفظية أو رمزية من شيخ أو وجيه معترف به، تتيح له المرور أو الإقامة القصيرة دون التعرض للأذى. وتحدد المدة والمسار بدقّة: من أين يدخل، وإلى أين يخرج، وما الذي يمنع عليه فعله (كحمل السلاح أو التواصل مع أطراف النزاع). أي إخلال بالشروط يسقط الحماية فورًا.

الجذور الاجتماعية والقانون العرفي

تعود السمحة إلى منظومة القانون العُرفي القبلي الذي نشأ لضبط العلاقات في بيئات شحيحة الموارد كثيرة التنقل. ففي طرق التجارة القديمة ومسارات الرعي، كان ضمان المرور الآمن ضرورةً لبقاء الجماعات. ومع الوقت، تحولت السمحة إلى آلية لإدارة الصراعات تخفف الاحتقان، تمنع الثأر الفوري، وتفتح نافذة للتفاوض.

ويشير الباحثون إلى أن هذا التقليد حافظ على توازن دقيق بين الكرامة القبلية وحماية الأرواح. إذ لا ينظر إلى منح السمحة بوصفه ضعفًا، بل حكمة ومسؤولية جماعية.

طقوس التطبيق

تبدأ العملية بطلب واضح من صاحب الشأن، غالبًا بحضور شاهدين. ثم يصدر الوجيه “لفظ الأمان” المتعارف عليه محليًا، وقد يستكمل بعلامة رمزية (كحمل عصا معينة أو قطعة قماش) تعرف حاملها للآخرين بأنه في “سمحة”. وتلتزم القبيلة المضيفة بتأمين الطريق، بينما يلتزم الضيف بعدم الاستفزاز أو استغلال الحماية.

بين الماضي والحاضر

مع توسع الدولة الحديثة وتراجع دور الأعراف في بعض المناطق، ظلت السمحة فاعلة في الأطراف حيث تتداخل الحدود والعلاقات القبلية العابرة للدول. وفي السنوات الأخيرة، عادت للواجهة بوصفها أداة محلية لحل النزاعات الصغيرة، خصوصًا حين تتأخر القنوات الرسمية.

ويقول الدكتور سالم بن عيضة المهري، أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية والمتخصص في ثقافة شرق الجزيرة العربية، إن عادة السمحة مثال حيّ على قدرة العرف القبلي على إنتاج حلول واقعية للنزاع. هي ليست بديلًا عن القانون، لكنها تكمله في البيئات التي تتطلّب سرعة التدخل وحساسية اجتماعية عالية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى