كتابنا

د سهام عزالدين جبريل تكتب … الإعلام وإعادة تشكيل الوعي البيئي في زمن الحروب

الإعلام وإعادة تشكيل الوعي البيئي في زمن الحروب..
من نقل الأزمة إلى صناعة الحلول

د/سهام عزالدين جبريل
استوديو التحليل الاستراتيجي

في عالم تتداخل فيه الأزمات والحروب مع تحديات المناخ والموارد، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح شريكًا في تشكيل الوعي وصناعة الاستجابة المجتمعية. من هنا تأتي أهمية الإعلام البيئي كأداة استراتيجية لبناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتحقيق التعافي المستدام.
فالقضايا البيئية لم تعد ملفًا منفصلًا عن قضايا الأمن والتنمية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن الإنساني، خاصة في ظل ما يشهده العالم من نزاعات إقليمية وحروب تركت آثارًا عميقة على الإنسان والموارد الطبيعية والأنظمة البيئية.
ومع الاحتفال بيوم البيئة العالمي، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في دور الإعلام البيئي، ليس باعتباره مجرد وسيلة لنشر المعلومات حول التحديات البيئية، وإنما كقوة ناعمة قادرة على بناء وعي مجتمعي جديد، يحول المعرفة إلى مسؤولية، والمعلومة إلى سلوك، والتحديات إلى فرص للتغيير.
يؤدي الإعلام في زمن الحرب.. مهام كبري حيث تبدا من نقل الأحداث ورصد التداعيات إلى صناعة الوعي
ففي أوقات النزاعات، تتعرض البيئة لأضرار بالغة نتيجة تدمير البنية الأساسية، وتلوث مصادر المياه، واستنزاف الموارد، وتأثر الأمن الغذائي، وهي تداعيات لا تنتهي بانتهاء الصراع، بل تمتد آثارها إلى مراحل التعافي وإعادة الإعمار.
وهنا يظهر الدور الاستراتيجي للإعلام، الذي لم يعد يقتصر على تغطية آثار الأزمة، بل أصبح مطالبًا بالمساهمة في تقديم المعرفة، وشرح المخاطر، ودعم المجتمعات في فهم تحدياتها والمشاركة في مواجهتها.
فالإعلام البيئي الناجح هو الذي يربط بين القضية البيئية وحياة المواطن اليومية، ويوضح أن حماية البيئة ليست قضية نخبوية، وإنما ترتبط بالصحة والغذاء والطاقة ومستقبل الأجيال القادمة.
الشراكات الاستراتيجية.. أساس بناء الوعي البيئي
إن مواجهة التحديات البيئية في ظل الأزمات لا يمكن أن تعتمد على جهود منفردة، وإنما تحتاج إلى شراكات واسعة بين مؤسسات الدولة، والمنظمات الدولية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والمؤسسات البحثية والإعلامية.
وتأتي أهمية التشبيك بين هذه الجهات في القدرة على تحديد الاحتياجات الحقيقية للمجتمعات، وترتيب الأولويات، وتصميم برامج تستجيب للواقع، مع ضرورة قياس الأثر لضمان أن تتحول المبادرات إلى نتائج ملموسة.
ويمتلك الإعلام دورًا محوريًا في هذه المنظومة باعتباره حلقة الوصل بين صانع القرار والمجتمع، وبين المعرفة العلمية واحتياجات الجمهور.
الاتفاقيات الدولية البيئية.. من الالتزام إلى الوعي المجتمعي
شهد العالم خلال العقود الماضية تطورًا كبيرًا في الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالبيئة والمناخ، والتي تمثل إطارًا للتعاون العالمي في مواجهة التحديات البيئية.
لكن نجاح هذه الاتفاقيات لا يرتبط فقط بوجودها، وإنما بقدرة المجتمعات على فهم أهدافها وتحويلها إلى ممارسات وسياسات قابلة للتطبيق.
وهنا يأتي دور الإعلام في تبسيط المفاهيم البيئية، وتحويل القضايا الدولية الكبرى إلى رسائل واضحة تصل إلى المواطن، وتدفعه إلى المشاركة الإيجابية.
المجتمع المدني.. أدوار جديدة في مواجهة التحديات
فرضت التحولات العالمية أدوارًا جديدة على المجتمع المدني، فلم يعد دوره يقتصر على التوعية أو تقديم الخدمات، بل أصبح شريكًا في دعم المجتمعات المحلية، وبناء القدرة على الصمود، والمساهمة في جهود التعافي بعد الأزمات.
ومن خلال التعاون بين الإعلام والمجتمع المدني يمكن إطلاق حملات أكثر تأثيرًا، تعتمد على قصص النجاح والتجارب الواقعية، وتعزز ثقافة المشاركة والمسؤولية المجتمعية.
نحو إعلام بيئي استراتيجي
يحتاج الإعلام البيئي في المرحلة المقبلة إلى تطوير أدواته، والاعتماد على التحليل والبيانات والتكنولوجيا والمنصات الرقمية، لإنتاج محتوى أكثر تأثيرًا وقدرة على الوصول إلى مختلف الفئات.
فالوعي البيئي الحقيقي لا يتوقف عند معرفة المشكلة، بل يبدأ من إدراك العلاقة بين الإنسان والبيئة، وبين الاستقرار المجتمعي وحسن إدارة الموارد.
وفي عالم تتزايد فيه التحديات، يصبح الإعلام أحد أدوات الأمن الإنساني، لأنه قادر على تحويل الوعي إلى فعل، وبناء ثقافة مجتمعية أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وصناعة مستقبل مستدام.
إن إعادة تشكيل الوعي البيئي ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي مشروع مجتمعي تشارك فيه الدولة والمؤسسات والمجتمع المدني والإعلام، من أجل حماية الإنسان والطبيعة وتحقيق التنمية المستدامة للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى