جبال فيفا.. الجوهرة الخضراء المعلقة فوق السحاب في جنوب السعودية

تعد جبال فيفا واحدة من أشهر وأجمل السلاسل الجبلية في جنوب المملكة العربية السعودية، وقد حجزت لنفسها مكانة خاصة في كتب التاريخ والجغرافيا بفضل طبيعتها الفريدة وتضاريسها الوعرة وموقعها الاستراتيجي، وتمثل فيفا نموذجا استثنائيا للجبال الشاهقة التي تجمع بين الجمال الطبيعي والعراقة التاريخية، حتى أصبحت من أبرز المعالم السياحية والطبيعية في منطقة جازان.
موقع جبال فيفا
ويرى أبناء المنطقة أن اسم فيفا يرتبط بمعاني العلو والشموخ والارتفاع، وهي صفات تنطبق تماما على هذه الجبال التي تتكون من مجموعة قمم جبلية متشابكة ومتداخلة تبدو للناظر من مسافة بعيدة وكأنها جبل هرمي واحد، ولهذا اشتهرت باسم جبال فيفا أو جبل فيفاء، وأصبحت رمزا طبيعيا يميز جنوب المملكة.
وتتميز جبال فيفا بطبيعة جبلية شديدة الوعورة والانحدار من جميع الجهات، الأمر الذي جعل طرقها ومسالكها مليئة بالمنعطفات والتعرجات، وقد وصفها الرحالة البريطاني فيلبي بأنها بيئة مثالية لهواة تسلق الجبال والمغامرات، كما أشار إلى أن صخورها تعود إلى عصور جيولوجية قديمة تسبق العصر الكمبري، وتتكون بشكل رئيسي من صخور السيانايت والجرانيت التي تخترقها عروق الكوارتز في مناطق متعددة من الجبل.
وتتفوق جبال فيفا على الجبال المحيطة بها بخصوبة تربتها وتنوع غطائها النباتي، حيث تنتشر فيها الأشجار الضخمة والنباتات العطرية والأزهار البرية والأعشاب المختلفة التي تغطي مساحات واسعة من سفوحها وقممها، كما يضيف الضباب الكثيف الذي يلف الجبال خلال فصل الصيف لمسة ساحرة تجعل المشهد أشبه بلوحة طبيعية نادرة الجمال.
وتقع جبال فيفا في الجزء الجنوبي الغربي من المملكة العربية السعودية، وتبعد عن مدينة جازان بحوالي 125 كيلومترا، ويحدها من الشمال والغرب قبائل بلغازي، ومن الجنوب قبائل بني حريص، ومن الشرق قبائل بني مالك، ويصل ارتفاع أعلى قمة فيها، وهي قمة العبسية، إلى نحو 11000 قدم فوق مستوى سطح البحر، بينما تبلغ مساحة الجبال قرابة 600 كيلومتر مربع.
ويتميز مناخ فيفا بخصوصية فريدة فرضتها الطبيعة الجبلية والارتفاعات الكبيرة، فرغم وقوعها ضمن إقليم مناخي حار نسبيا، إلا أن درجات الحرارة فيها تبقى معتدلة معظم أيام السنة، وتميل الأجواء إلى البرودة في القمم المرتفعة خلال الشتاء، بينما ترتفع الحرارة نسبيا في السفوح خلال فصل الصيف، كما تشهد المنطقة أمطارا موسمية غزيرة في الصيف غالبا ما تصاحبها عواصف رعدية قوية، وهو ما يساهم في الحفاظ على خضرة الجبال وجمالها الدائم.
ويرتبط اسم فيفا بقبائل فيفا التي تسكن هذه الجبال منذ قرون طويلة، وهي قبائل تعود في نسبها إلى خولان القضاعية، وقد أشار عدد من المؤرخين والباحثين إلى أن تسمية الجبال جاءت نسبة إلى هذه القبائل التي استوطنت المنطقة وشكلت جزءا مهما من تاريخها وهويتها.
كما تناولت كتب اللغة والجغرافيا معنى كلمة فيفاء، حيث ورد في معجم البلدان أن الفيفاء تطلق على الأرض الواسعة المستوية أو الصحراء الملساء، بينما يرى أبناء المنطقة أن الكلمة تعبر عن الشموخ والعلو، وهو التفسير الأكثر ارتباطا بطبيعة الجبل وهيبته.
ورغم ما تمتلكه فيفا من أهمية تاريخية وجغرافية، فإن وعورة تضاريسها وصعوبة الوصول إليها في الأزمنة القديمة حدت من حضورها في كثير من المصادر التاريخية، كما أن طبيعة المجتمع الزراعي والرعوي في المنطقة، إلى جانب انتشار الأمية قديما، قللت من حجم التدوين التاريخي الذي يوثق تفاصيل حياة السكان وأحداث المنطقة.
وتبلغ المسافة بين مدينة جيزان وجبال فيفا نحو 102 كيلومتر، ويمكن الوصول إليها خلال ساعة وأربع وثلاثين دقيقة تقريبا عبر طريق الملك عبدالعزيز، أما المسافة بينها وبين مدينة أبها فتبلغ نحو 161.8 كيلومترا، ويستغرق الوصول إليها أكثر من ثلاث ساعات بقليل.
ويعود نسب قبائل فيفا إلى خولان بن عمرو من قضاعة، ويتميز أبناء المنطقة بلهجة محلية حافظت على كثير من المفردات العربية القديمة التي يرى عدد من الباحثين أنها امتداد للهجات الحميرية القديمة، مع وجود بعض الاختلافات في نطق بعض الحروف.
وتضم جبال فيفا العديد من المواقع الطبيعية والسياحية المميزة التي تجذب الزوار من مختلف المناطق، وتأتي قمة العبسية في مقدمة هذه المواقع باعتبارها أعلى نقطة في الجبل، حيث توفر إطلالات بانورامية واسعة على معظم أرجاء فيفا، كما تعد منطقة الخوشين من أشهر الغابات الطبيعية في الجبل، لما تحتويه من تنوع نباتي كبير وغابات كثيفة ومصادر مياه قديمة.
ومن المواقع البارزة أيضا السماع الذي يطل على عدد من الأودية والقرى الجبلية، واللعثة التي توفر مشاهد خلابة للسهول والمرتفعات المحيطة، كما تشتهر مناطق الوشر والصامل والخطم والعذر والنقيل والدحرة ووادي الفاحم بجمالها الطبيعي وتنوع تضاريسها، إضافة إلى العديد من المواقع الأخرى التي تمنح الزائر تجربة استثنائية بين أحضان الطبيعة.
وتضم محافظة فيفا نحو 18 قبيلة رئيسية، من بينها المغامري والمثيبي والخسافي والداثري والسلماني والدفري والعمري والشراحيلي والمشنوي والعبدلي والحكمي وغيرها من القبائل المعروفة، وبلغ عدد سكان المحافظة وفقا لإحصاءات عام 2018 نحو 29793 نسمة.
ويجد الزائر في جبال فيفا بيئة مثالية للاسترخاء والاستمتاع بالمناظر الطبيعية الساحرة، حيث تنتشر المدرجات الزراعية والمشاهد الجبلية الخلابة التي تمنح المكان طابعا فريدا، كما يقصد كثير من السياح النزل الريفية المنتشرة في المنطقة، ومن أشهرها مبنى السفينة الذي يوفر تجربة إقامة مميزة وسط الطبيعة والهدوء.
وتتبع محافظة فيفا إداريا لمنطقة جازان، وتقع وسط جبال السروات بين نجران شرقا وجازان غربا وعسير شمالا والحدود اليمنية جنوبا، ويصل ارتفاعها إلى ما بين 2800 و3000 متر فوق مستوى سطح البحر، بينما تحيط بها الأودية من مختلف الجهات، مما يزيد من جمالها الطبيعي ويمنحها طابعا جغرافيا فريدا.
واشتهرت جبال فيفا بزراعة العديد من المحاصيل الزراعية، ومن بينها القات الذي انتشرت زراعته في فترات سابقة نتيجة قرب المنطقة من الحدود اليمنية، وخلال السنوات الأخيرة عملت الجهات المختصة على تقليص هذه الزراعة، ونفذت حملات لإزالة أعداد كبيرة من الأشجار ضمن جهود مكافحة التهريب والحفاظ على التنمية الزراعية المستدامة.
أما طقس جبال فيفا فيظل من أبرز عوامل الجذب للزوار، حيث يتميز بالاعتدال طوال العام تقريبا، وتتراوح درجات الحرارة صيفا بين 16 و28 درجة مئوية، بينما تنخفض شتاء إلى ما بين 3 و25 درجة مئوية، كما ترتفع معدلات الأمطار خلال الصيف، وتغطي السحب والضباب قمم الجبال في مشهد يضفي على المكان سحرا استثنائيا لا ينسى.
وهكذا تبقى جبال فيفا واحدة من أجمل كنوز الطبيعة في المملكة العربية السعودية، ومقصدا يجمع بين التاريخ والجغرافيا والسياحة والطبيعة الخلابة، فهي ليست مجرد سلسلة جبلية شاهقة، بل عالم متكامل من الجمال والتراث والحياة، يروي قصة منطقة استطاعت أن تحافظ على هويتها وسحرها عبر العصور.



