لواء دكتور راضي عبدالمعطي يكتب: الصراحة والوضوح ليسا صداما
أيهما أحب إليك صديق صريح أم منافق خادع؟
الصراحة فضيلةٌ من فضائل السلوكيات المجتمعية، تُخلّصك سريعًا ممن يدّعون أنهم أعز أصدقائك. تبادل الحب في جوٍ من الصراحة الصحية خيرٌ من الكذب والتقلّب، وإذا كان النفاق وقحًا فلتكن الصراحة باسلة.
أجمل ما في التعامل الصراحة، مهما كانت قاسية؛ لأنها حبات اللؤلؤ التي تزيّن بها الذكريات. الصراحـة والوضوح من أخلاق الكبار وأصحاب النفوس الكبيرة، لأنهم الوحيدون القادرون على قول الحق، وامتلاك الشجاعة التي يواجهون بها الآخرين، فيلجمون أنفسهم عن قول المداراة أو المجاملة في غير الحق.
الصراحـة تكفينا مؤونة التعب والجهد في الحصول على المعلومة الصحيحة والصريحة المباشرة، كما أنها تقضي على القيل والقال، وأحاديث النفس التي يتصيّدها الشيطان ويكبّرها لدينا. الصراحة والوضوح أفضل من الغش والخداع والنفاق. تعلّموا الصدق والصراحة قبل أي شيء، لأن العبث بالمشاعر هو أسوأ جريمة.
أجمل ما يحدث في لحظات الخلاف هو الصراحة التي أخفتها المجاملات. ما أقل من يعرفون الصدق والإخلاص، والعارف بحقيقة الصراحة لا يريد أن يكون صريحًا دائمًا؛ فأكثر الناس تمويهًا هم المشفقون لأنهم لا ينطقون أبدًا بالحق، ومثل هذا الإشفاق مرض كامن في العقل. ما أقبح المجتمع الذي لا يحب الصراحة؛ فالصراحة مهما اشتدت تبدّد السحب، وهي ممتعة، بينما الأكاذيب مؤلمة.
إن الصراحة والوضوح من شيم أصحاب النفوس الكبيرة التي تحترم نفسها، فتأبى عليها إلا القول بالحقيقة والبعد عن الألغاز والغموض. فأصحاب النفوس الكبيرة فقط هم الذين لا يأبهون بالآخرين، فلا يضطرهم مركز أو يجبرهم سلطان على أن يقولوا غير الحقيقة في صراحة ووضوح. وهم لا يعترفون بالألغاز في ألفاظهم، ويرفضون النفاق بأشكاله وألوانه، ولا يستخدمون التقيّة أو التورية في أحاديثهم، بل الصراحة والوضوح والصفاء والنقاء ولا شيء غيرها.
.
أما الذين يكرهون الصراحة ويغضبون من الوضوح ويحزنون ممن يقول لهم الحقيقة، فنقول لهم: إن بإمكان محدّثيكم أن يداروكم ظاهرًا ويمقتوكم باطنًا، أن يظهروا لكم الموالاة والمحبة، ويبطنوا لكم المكائد والدسائس؛ بإمكانهم أن يبشّوا في وجوهكم بينما تلعنكم قلوبهم. وقد قيل: “إنّا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم”.
لا تثق بشخص يرى أن الصراحة عيب. الصراحة مثل الجداول الصغيرة؛ فهي شفافة لأنها ضحلة. لا يهمني أن أتألم أو أفرح، ما يهمني هو أن تقول لي الصراحة، نعم أريد الصراحة كيفما كانت. الصراحة تعني تحمّل المسؤولية الكاملة عن كل كلمة ينطق بها الإنسان.
أيهما أحب إليك: صديق صادق صريح، أم منافق خادع ماكر يماريك في قولك وفعلك في الحق والباطل؟ أقرب مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم الواصل بينهما، لكن قد يلجأ البعض إلى تحوير الكلام وعرضه بطريقة غامضة مبهمة، رغبةً في الحصول على معلومات أكثر من محدّثه تُشبع فضوله وحب استطلاعه.
قد تكون الصراحة سببًا في إغلاق بابٍ كاد يدمّر شخصًا لم تنفعه المجاملة. كثير من الناس يطلبون الحقيقة، ولكن القليل منهم من يقبل الصراحة. نحن لم نخطئ إلا في صراحتنا للآخرين؛ وكان من الجميل لو تعلّمنا شيئًا من قانون الصمت وطبّقناه على من أحببناهم. التلميح أشد وجعًا من الصراحة.
أن يكرهك الناس لصراحتك خيرٌ لك من أن يحبوك لنفاقك. إن الصدق والصراحة يجعلانك عرضةً للانتقاد.
وختامًا، أؤكد أن الصدق والصراحة ميزان الحياة وعنوان الشخصية المتزنة، ولا يمكن بأي حال أن نخلط بين الشخص الصريح الصادق الصافي وبين الشخص الصدامي؛ فبينهما خيط رفيع. ولا يمكن أن يكون النفاق والتلوّن والدهاء في المعاملات استراتيجية حياة، بل لا بد كي تكون الحياة هادئة مستقيمة مريحة أن تحكمها فلسفة واقعية قائمة على الصدق والصراحة والشفافية والنقاء.
حفظ الله مصر، وحمى شعبها العظيم وقائدها الحكيم.



