من هوارة ولواتة إلى قيس وجذام.. حكاية القبائل التي صنعت تاريخ مصر عبر القرون

شهدت ارض مصر عبر مئات السنين تداخلا كبيرا بين القبائل الامازيغية والقبائل العربية، حتى تحولت البلاد الى لوحة واسعة تجمع عشرات الانساب والعشائر التي امتدت جذورها من شمال افريقيا وشبه الجزيرة العربية وصولا الى وادي النيل، وتناقلت كتب الانساب والروايات القديمة تفاصيل هذه القبائل، وكيف انتشرت في الصعيد والدلتا والجيزة والفيوم والمنوفية وبلبيس وغيرها من المدن المصرية.
حكاية القبائل التي صنعت تاريخ مصر عبر القرون
وتذكر الروايات القديمة ان اصول كثير من القبائل الامازيغية تعود الى كنعان بن حام بن نوح عليه السلام، ثم تفرعت بعد ذلك بطون وقبائل كثيرة من نسل بر بن بديان بن كنعان، ومع مرور الزمن ظهر ضرى بن زجيك بن مادغس، الذي خرجت من نسله القبائل البرنسية الشهيرة، ومنهم كتامة وعجيسة ومصمودة واوربة واوريغة وغيرها من القبائل التي انتشرت في شمال افريقيا ثم وصلت مجموعات كبيرة منها الى مصر.
ومن نسل اوريغ بن برنس خرجت قبائل عديدة، كان ابرزها هوارة التي تعد من اشهر القبائل التي استقرت في الصعيد المصري عبر قرون طويلة، وتفرعت من هوارة بطون كثيرة مثل شفاته واندارة وهتروقة وصنبرة وهراغة وترهنة وغيرها من العشائر التي امتدت مساكنها في مناطق متعددة من مصر، كما خرجت من نفس الاصول قبائل زناتة الشهيرة التي تفرعت بدورها الى بطون ضخمة مثل مغراوة وبني برزال وبني دمر وبني صغمار.
وتشير الروايات الى ان قبائل لواتة كانت من اكبر القبائل التي انتشرت في مصر، خاصة في مناطق الصعيد والبهنساوية والجيزة والمنوفية، وتفرعت من لواتة بطون عديدة منها بنو بلار وبنو مجدول وبنو حديرة وقطوفة وبركين ومزورة، وكان لكل بطن مناطق نفوذ معروفة داخل مصر، حيث استقرت بعض الفروع في البهنسا وسملوط ومغاغة والجيزة وجرجا والكفور واهريت وغيرها من القرى والمدن.
ويرتبط اسم مغاغة بمحافظة المنيا بقبيلة مغاغة التي خرجت من بطون كطوف التابعة للواتة، بينما ارتبط اسم باب الشعرية بالقاهرة ببني الشعرية الذين عاشوا في تلك المنطقة منذ فترات قديمة، كما انتشرت بطون اخرى من مزاتة وزنارة وهوارة داخل المنوفية والدلتا، ودخلت معهم احلاف قبلية متعددة ساهمت في تكوين النسيج الاجتماعي لتلك المحافظات.
ولم يقتصر تاريخ القبائل في مصر على الامازيغ فقط، بل شهدت البلاد ايضا موجات كبيرة من القبائل العربية التي وصلت من الجزيرة العربية والشام والحجاز، ومن اشهر هذه القبائل جذام التي استقرت بطون منها في مصر منذ الفتح الاسلامي، وكان من بينها بنو حرام الذين انقسموا الى عشائر وافخاذ كثيرة، كما عاشت بطون من الخزرج والانصار داخل مصر، ومنهم بنو حرام بن كعب بن غنم الذين ينتسب اليهم الصحابي جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنه.
وفي الدقهلية والمرتاحية ظهرت قبائل عربية عرفت باسم الجمارسة، وهم جماعات انتسبت الى قريش وبعض بطون كنانة وعذرة، وضمت هذه القبائل عائلات كبيرة مثل بني شهاب وبني زيد والرواشدة وبني عصا وبني محمد وبني سنان وبني حمرة وبني نياس وغيرهم من العشائر التي استقرت في قرى متعددة بالدقهلية والشرقية.
كما عاشت في مصر مجموعات من قبائل قيس عيلان التي جاءت الى البلاد خلال العصر الاموي، بعدما طلب عبيد الله بن الحبحاب من الخليفة هشام بن عبد الملك نقل جماعات من قيس الى مصر للاستقرار والعمل في الزراعة والتجارة، ووافق الخليفة على ذلك، فوصلت افواج كبيرة من بني نصر وبني عامر بن صعصعة وسليم وغيرهم من القبائل القيسية، واستقرت في بلبيس والحوف الشرقي.
ومع مرور الوقت توسعت هذه القبائل داخل مصر بشكل كبير، خاصة بعدما نجح افرادها في التجارة ونقل البضائع الى القلزم، وامتلكوا الابل والخيول والاراضي الزراعية، ودفعت تلك النجاحات مئات العائلات الاخرى من البادية الى الهجرة نحو مصر، حتى وصل عدد بيوت قيس في بلبيس وحدها الى الاف البيوت خلال سنوات قليلة.
وتحولت القبائل العربية والامازيغية مع الزمن الى جزء اساسي من تاريخ المجتمع المصري، بعدما اختلطت الانساب والعائلات، وظهرت تحالفات جديدة بين القبائل المختلفة، ولم تعد هذه القبائل مجرد اسماء في كتب التاريخ، بل اصبحت جذورا حقيقية لعائلات ومراكز وقرى ما زالت تحمل اسماءها حتى اليوم في الصعيد والدلتا والقاهرة والجيزة والمنوفية والشرقية وغيرها من المحافظات المصرية.



