كتابنا

علاء عبدالله يكتب: من قلب البرلمان النمساوي.. رسالة سلام عربية تعيد تقديم الفكر التنويري إلى أوروبا

في زمن تتصاعد فيه خطابات الكراهية وتزداد فيه الفجوة الثقافية بين الشرق والغرب بفعل الصراعات السياسية والتوظيف الخاطئ للدين، تبدو أي محاولة جادة لإعادة بناء جسور الحوار الإنساني عملاً يستحق التقدير والتوقف أمامه، ومن هنا تأتي أهمية الزيارة التي قام بها وفد مؤسسة “رسالة السلام العالمية” إلى البرلمان النمساوي في العاصمة فيينا، باعتبارها خطوة تتجاوز حدود البروتوكول التقليدي إلى مساحة أعمق تتعلق بصناعة الوعي وتقديم صورة مختلفة عن الفكر العربي والإسلامي.

اللافت في هذه الزيارة أنها لم تكن مجرد جولة داخل مؤسسة تشريعية أوروبية عريقة بل حملت أبعادًا ثقافية وفكرية واضحة، خاصة مع الاهتمام بالتعريف بالمشروع التنويري للمفكر العربي الكبير الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، الذي يقوم في جوهره على تصحيح المفاهيم المغلوطة والعودة إلى القيم الإنسانية النبيلة التي يدعو إليها القرآن الكريم بعيدًا عن التشدد والتطرف وخطابات العنف.

لقد أدركت مؤسسة “رسالة السلام العالمية” أن المعركة الحقيقية في العالم اليوم لم تعد فقط معركة سياسة أو اقتصاد، بل أصبحت معركة وعي وفكر وصورة ذهنية. فالكثير من المجتمعات الغربية لا تعرف عن العالم العربي سوى ما تنقله وسائل الإعلام المرتبطة بالحروب أو التنظيمات المتشددة، بينما يغيب الصوت العربي المستنير القادر على تقديم نموذج حضاري وإنساني يعبر عن حقيقة الثقافة العربية والإسلامية.

ومن هنا تبرز القيمة الرمزية الكبيرة لزيارة البرلمان النمساوي، ذلك الصرح الذي يمثل واحدة من أعرق التجارب الديمقراطية الأوروبية خاصة أن النمسا عرفت تاريخيًا بسياساتها الحيادية ومواقفها الداعمة للسلام العالمي، وبالتالي فإن وجود وفد عربي يحمل مشروعًا فكريًا يدعو إلى التعايش والمحبة والسلام داخل هذه المؤسسة يحمل رسالة مهمة مفادها أن العالم العربي يمتلك أيضًا أصواتًا تنادي بالعقل والحوار والانفتاح.

كما أن قرار إهداء نسخ مترجمة باللغة الألمانية من مؤلفات الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي إلى المكتبة المركزية التابعة للبرلمان النمساوي يعد خطوة ذكية وذات تأثير بعيد المدى، لأن نقل الأفكار إلى المؤسسات البحثية وصناع القرار في أوروبا يفتح الباب أمام فهم أعمق للفكر العربي التنويري بعيدًا عن الصور النمطية التي ترسخت عبر عقود طويلة.

الحقيقة أن مثل هذه المبادرات الثقافية الهادئة قد تكون أكثر تأثيرًا من عشرات المؤتمرات السياسية، لأنها تعتمد على مخاطبة العقول لا إثارة الصدامات وعلى بناء الثقة لا تصدير الأزمات، فالعالم اليوم بحاجة إلى خطاب إنساني جديد يعيد الاعتبار لقيم الرحمة والتسامح والتعايش، وهي القيم التي يقوم عليها المشروع الفكري الذي تتبناه مؤسسة “رسالة السلام العالمية”.

ويحسب للأستاذ مجدي طنطاوي المدير العام للمؤسسة، هذا التحرك المنظم الذي يسعى إلى تحويل الفكر التنويري إلى مشروع تواصل دولي حقيقي، خاصة في دول أوروبا الشرقية التي تحتاج إلى مزيد من الجسور الثقافية مع العالم العربي، فالقوة الناعمة لم تعد رفاهية بل أصبحت ضرورة استراتيجية في عالم تحكمه الصورة والانطباع والرواية الفكرية.

إن أخطر ما تواجهه الشعوب ليس الاختلاف بل غياب الحوار ولذلك فإن أي جهد يهدف إلى تقريب المسافات بين الثقافات المختلفة يستحق الدعم خاصة إذا كان قائمًا على احترام الإنسان والدعوة إلى السلام ونبذ الكراهية.

وفي تقديري، فإن زيارة البرلمان النمساوي ليست مجرد حدث عابر في نشاط مؤسسة ثقافية، بل تمثل نموذجًا لما يجب أن يكون عليه الحضور العربي في الخارج؛ حضور يعتمد على الفكر والمعرفة والإنسانية لا على الصراعات والشعارات، فالأمم لا تحترم فقط بقوتها السياسية بل أيضًا بقدرتها على تقديم مشروع حضاري يخاطب العالم بلغة العقل والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى