محمد عبد العاطي.. أسطورة صائد الدبابات الذي أرعب المدرعات الإسرائيلية
في قرية شيبة قش التابعة لمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، ولد الفتى الذي سيصبح لاحقًا واحدًا من أشهر أبطال الجيش المصري في العصر الحديث، كان اسمه محمد عبد العاطي، وقد أبصر النور في الخامس عشر من ديسمبر عام 1950، وسط الحقول الهادئة والبيوت الريفية البسيطة التي خرج منها رجال صنعوا تاريخ مصر بعرقهم وشجاعتهم.
عاش محمد عبد العاطي طفولته مثل كثير من أبناء الريف المصري، قريبًا من الأرض والعمل والكفاح، لكن داخله كان يحمل روحًا مختلفة، روحًا لا تعرف الاستسلام، وعزيمة تزداد قوة كلما اشتدت المحن.
سنوات الهزيمة وصناعة المقاتل
كبر عبد العاطي في فترة كانت مصر تعيش فيها جرح هزيمة يونيو 1967، وكان الحديث عن استرداد الأرض والكرامة حاضرًا في كل بيت وشارع، وشعر الشاب الريفي أن عليه واجبًا تجاه وطنه، فقرر أن يكون جزءًا من المعركة القادمة.
وفي عام 1969، التحق بالقوات المسلحة المصرية، واختار أصعب الطرق وأكثرها قسوة، فالتحق بقوات الصاعقة، حيث خضع لتدريبات شاقة صنعت منه مقاتلًا استثنائيًا، وبعد فترة انتقل إلى الكتيبة 35 مدفعية، وهناك تلقى تدريبات مكثفة على استخدام صواريخ فهد المضادة للدبابات، وهي من أخطر الأسلحة المضادة للمدرعات في ذلك الوقت.
ومع الأيام، تحول محمد عبد العاطي إلى مقاتل شديد الدقة، سريع الحركة، يمتلك قدرة هائلة على التصويب تحت الضغط، حتى أصبح من أفضل العناصر المتخصصة في اصطياد الدبابات.
عبور القناة وتحطيم خط بارليف
ثم جاءت اللحظة التي انتظرها المصريون سنوات طويلة، لحظة حرب أكتوبر عام حرب أكتوبر.
في ظلام الليل، عبر محمد عبد العاطي قناة السويس داخل قارب مطاطي صغير برفقة زملائه، بينما كانت السماء تشتعل بالقصف والنيران، لم يكن أمامهم سوى هدف واحد، وهو اقتحام خط بارليف وفتح الطريق أمام القوات المصرية.
تسلق الجنود الساتر الترابي والحصون الإسرائيلية وسط أجواء ملتهبة، ثم اندفعوا إلى قلب المعركة، حيث واجهوا القوات الإسرائيلية وجهًا لوجه، وهناك بدأت المهمة الأخطر بالنسبة لمحمد عبد العاطي، فقد كان عليه أن يتحرك خلف خطوط العدو، وسط الدبابات والنيران والانفجارات، ليمنع المدرعات الإسرائيلية من إيقاف تقدم الجيش المصري.
اللحظة التي صنعت الأسطورة
في الثامن من أكتوبر، كتب محمد عبد العاطي اسمه في سجل الأبطال بطريقة مذهلة، ثبت صاروخ فهد، وحدد هدفه بدقة شديدة، ثم أطلق أول قذيفة نحو دبابة إسرائيلية، فأصابتها إصابة مباشرة وحولها إلى كتلة مشتعلة من النار.
لكن ما حدث بعد ذلك كان أشبه بالأسطورة، ففي أقل من نصف ساعة، تمكن من تدمير تسع دبابات إسرائيلية متتالية، واحدة تلو الأخرى، وسط ذهول القوات الإسرائيلية التي لم تتوقع وجود مقاتل يمتلك هذه الجرأة والدقة.
وفي اليوم التالي، واصل تقدمه بثبات، ودمر ثلاث دبابات ومجنزرة إضافية، حتى بدأ الجنود المصريون يطلقون عليه لقب صائد الدبابات.
ومع استمرار المعارك، ارتفع عدد ما دمره من المدرعات بشكل غير مسبوق، حتى وصل رصيده إلى ثلاث وعشرين دبابة وثلاث عربات مدرعة، ثم انتهت الحرب بعدما سجل اسمه باعتباره الجندي الذي دمر سبعًا وعشرين دبابة إسرائيلية، من بينها دبابة اللواء الإسرائيلي عساف يجوري قائد اللواء 190 المدرع.
التحية التي جاءت من العدو
ومن أكثر المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرة الحرب، ما حدث بعد أسر عساف يجوري، فقد طلب القائد الإسرائيلي أن يرى الجندي المصري الذي دمر دبابته وألحق بقواته هذه الخسائر الكبيرة.
وحين وقف محمد عبد العاطي أمامه، نظر إليه القائد الإسرائيلي طويلًا، ثم وقف رغم أسره وقيوده، وأدى له التحية العسكرية، اعترافًا بشجاعة المقاتل المصري الذي نجح في تحطيم أسطورة المدرعات الإسرائيلية.
كان ذلك المشهد دليلًا على حجم الصدمة التي أحدثها هذا الجندي المصري داخل صفوف الجيش الإسرائيلي، وعلى الاحترام الذي فرضه بقوة شجاعته ومهارته القتالية.
بطل خالد في ذاكرة الوطن
خرج محمد عبد العاطي من الحرب بطلًا حقيقيًا ورمزًا خالدًا من رموز العسكرية المصرية لم يكن مجرد جندي حمل سلاحه في المعركة، بل تحول إلى أسطورة كتبت اسمها بالنار فوق رمال سيناء.
وصنفه كثيرون باعتباره أول صائد دبابات في العالم، بعدما حقق رقمًا استثنائيًا في تدمير المدرعات خلال حرب واحدة، وفي عام 1974، منحته مصر وسام وسام نجمة سيناء تقديرًا لشجاعته وبطولته النادرة.
وهكذا بقي اسم محمد عبد العاطي حاضرًا في وجدان المصريين، باعتباره واحدًا من الرجال الذين أعادوا للوطن كرامته، وأثبتوا أن الإرادة والشجاعة تستطيعان هزيمة أقوى الجيوش، وأن الفتى البسيط القادم من قرية صغيرة قد يتحول يومًا إلى أسطورة لا ينساها التاريخ.



