محمد بن مسلمة.. الصحابي الذي وثق النبي بشجاعته وأمانته
قبل أن تمتلئ المدينة المنورة بنور الإسلام، عاش بين أحيائها فتى من قبيلة الأوس اسمه محمد بن مسلمة. امتلك هيبة لافتة منذ شبابه، فكان طويل القامة، قوي البنية، تبدو على وجهه ملامح الوقار والصلابة. وإذا سار بين الناس شعر من حوله أن أمامهم رجلًا يحمل طبع الرجال العظام.
نشأ محمد بن مسلمة في يثرب وسط مجتمع اعتاد الحروب والنزاعات بين القبائل، لكنه لم يكن يعلم أن حياته ستتغير بالكامل مع وصول دعوة الإسلام إلى المدينة. وحين قدم مصعب بن عمير يدعو أهل يثرب إلى الدين الجديد، كان محمد من أوائل من استجابوا للحق، فدخل الإسلام مبكرًا قبل كثير من زعماء قومه، ومنهم سعد بن معاذ.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ فصل جديد في حياته، عنوانه الإيمان والطاعة والجهاد.
أخوة صنعتها العقيدة
عندما هاجر محمد إلى المدينة، أقام بين المسلمين أعظم صور التآخي، فآخى بين محمد بن مسلمة وأبو عبيدة بن الجراح. ولم تكن تلك الأخوة مجرد كلمات، بل كانت رابطًا حقيقيًا جمع بين القلوب، حتى صار المهاجرون والأنصار كأنهم أسرة واحدة.
وعرف النبي صلى الله عليه وسلم في محمد بن مسلمة صفات نادرة؛ فقد جمع بين الشجاعة والحكمة والطاعة الكاملة، لذلك اعتمد عليه في المواقف التي تحتاج إلى رجل ثابت الأعصاب، قوي القلب، لا يتردد حين تحيط الأخطار.
فارس لا يتأخر عن المعارك
شارك محمد بن مسلمة في معظم غزوات المسلمين مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان حاضرًا في أصعب اللحظات. وقد عرفه الصحابة فارسًا شجاعًا لا يهرب من القتال، ولا يتراجع عند الشدائد.
وكان يقول مفتخرًا بقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة قط إلا غزوة تبوك، فقد استخلفني على المدينة.
وقد أظهر في غزوة أحد شجاعة كبيرة، ففي الوقت الذي اضطربت فيه الصفوف وفر كثير من الناس، بقي ثابتًا يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم بكل ما يملك من قوة وإيمان.
المهمة التي هزت المدينة
بعد انتصار المسلمين في بدر، ازداد حقد اليهودي كعب بن الأشرف، فبدأ يحرض القبائل ضد المسلمين، ويؤذي النبي صلى الله عليه وسلم بشعره وكلامه، ويسعى لإشعال الحرب في المدينة.
عندها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام أصحابه: من لي بابن الأشرف؟
ساد المكان صمت ثقيل، لأن الجميع أدرك خطورة المهمة، لكن محمد بن مسلمة نهض فورًا وقال بثبات: أنا له يا رسول الله.
خرج مع مجموعة من الصحابة، ووضعوا خطة دقيقة تقوم على إظهار الرضا والطمأنينة أمام كعب حتى يثق بهم. وتحدثوا معه بحذر شديد حتى خرج إليهم ليلًا بعيدًا عن حصونه وحراسه.
وفي تلك الليلة انتهت واحدة من أخطر المؤامرات التي استهدفت المسلمين في بدايات الدولة الإسلامية، وأثبت محمد بن مسلمة أنه رجل يجمع بين الذكاء والشجاعة والانضباط.
عين عمر بن الخطاب على الولاة
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، استمر محمد بن مسلمة في خدمة المسلمين بنفس الإخلاص والثبات. وحين تولى عمر بن الخطاب الخلافة، اختاره لمهمة شديدة الأهمية، وهي متابعة الولاة ومحاسبتهم.
وكان عمر يثق في عدله وأمانته، فإذا وصلت شكاوى الناس من أحد الولاة، أرسل محمد بن مسلمة ليتحقق بنفسه، لأنه يعلم أنه لا يجامل أحدًا ولا يخاف إلا الله.
وذات يوم سأل عمر محمد بن مسلمة: كيف تراني يا محمد؟
فأجابه بصراحة رجل لا يعرف النفاق: أراك قويًا على جمع المال، عفيفًا عنه، عادلًا في قسمه، ولو انحرفت لقومناك كما يُقوَّم السهم المعوج.
ففرح عمر بهذا الجواب وقال: الحمد لله الذي جعلني بين قوم إذا أخطأت أعادوني إلى الحق.
موقفه يوم اشتعلت الفتنة
وعندما قُتل عثمان بن عفان، ودخل المسلمون في سنوات الفتنة والاقتتال، وقف محمد بن مسلمة موقفًا عظيمًا يدل على عمق إيمانه وخوفه على دماء المسلمين.
أخذ سيفه الذي حمله طويلًا في سبيل الله، ثم ضربه على صخرة حتى كسره، وقال: ما كنت لأقاتل بسيف سلَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم على مسلم.
وبعدها ابتعد عن الفتنة كلها، وترك المدينة، وانتقل إلى منطقة الربذة، وعاش هناك حياة هادئة بعيدة عن الصراعات، متمسكًا بوصية النبي صلى الله عليه وسلم التي أمره فيها باعتزال القتال وقت الفتن.
نهاية رجل عاش وفيًا لمبادئه
قضى محمد بن مسلمة سنواته الأخيرة زاهدًا هادئًا، بعدما أمضى عمره في نصرة الإسلام وحماية المسلمين. لم يبحث عن سلطة، ولم يسع وراء جاه أو مال، بل عاش ثابتًا على مبادئه حتى آخر لحظة من حياته.
وفي سنة ثلاث وأربعين للهجرة، وبينما كان شيخًا كبيرًا تجاوز السابعة والسبعين، دخل عليه رجل في داره بالربذة فقتله ظلمًا. ودُفن هناك بجوار أبو ذر الغفاري، بعدما ترك خلفه سيرة رجل نادر جمع بين الشجاعة والأمانة والحكمة.
ورغم أن اسمه لا يتردد كثيرًا مثل بعض كبار الصحابة، فإن محمد بن مسلمة بقي واحدًا من الرجال الذين اعتمد عليهم الإسلام في أخطر المواقف. فقد كان فارسًا حين احتاج الإسلام إلى السيف، وكان أمينًا حين احتاج المسلمون إلى العدل، وكان حكيمًا حين اشتعلت الفتن واختلطت الرايات.



