كتابنا

علاء عبدالله يكتب: إسلام الرحمة في مواجهة التطرف.. لماذا تبدو رسالة الشرفاء الحمادي أكثر أهمية اليوم؟

في وقت تتزايد فيه التحديات الفكرية التي تواجه العالم العربي، وتتصاعد فيه محاولات تشويه صورة الإسلام وربطه بالعنف والصراعات، تبرز الحاجة إلى أصوات فكرية قادرة على إعادة تقديم جوهر الدين كما جاء في رسالته الأولى؛ رسالة رحمة وعدل وإصلاح وسلام، ومن هنا تكتسب أطروحات المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي أهمية خاصة، ليس فقط لأنها تقدم قراءة مختلفة للخطاب الديني بل لأنها تنطلق من العودة إلى المنابع الأصيلة التي تجعل الإنسان محور الرسالة الإلهية وغايتها.

ففي افتتاحية العدد الثالث والخمسين من مجلة “العرب”، يطرح الشرفاء الحمادي رؤية واضحة ومباشرة حول حقيقة الإسلام، مؤكدًا أن هذا الدين لم يأتِ ليكون مشروعًا للصراع أو الهيمنة أو إقصاء الآخرين، بل جاء ليؤسس لعلاقات إنسانية قائمة على العدل والتسامح والتعايش،وهي رسالة تبدو اليوم أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى في ظل ما شهدته العقود الأخيرة من توظيف خاطئ للدين من قبل جماعات وتنظيمات رفعت شعارات دينية، بينما كانت ممارساتها بعيدة كل البعد عن مقاصد الإسلام الحقيقية.

إن ما يلفت الانتباه في طرح الشرفاء الحمادي هو تركيزه على أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أُرسل رحمة للعالمين، وهي حقيقة قرآنية واضحة كثيرًا ما يتم تجاهلها عند الحديث عن الإسلام في بعض المنابر الإعلامية والفكرية، فجوهر الرسالة النبوية لم يكن نشر الخوف أو فرض الهيمنة وإنما بناء الإنسان وإرساء قيم العدل والإصلاح بين الناس.

ومن هنا تأتي أهمية التأكيد على أن الإسلام لا يمنح أحدًا حق احتكار الحقيقة أو إصدار الأحكام على مصائر البشر، لأن العلاقة بين الإنسان وربه تظل علاقة مباشرة لا تتوسطها سلطات دينية أو صكوك غفران.

وفي تقديري، فإن أحد أبرز جوانب القوة في هذه الرؤية أنها تعيد الاعتبار للقرآن الكريم باعتباره المرجعية العليا للمسلمين، وتدعو إلى قراءة واعية للنصوص بعيدًا عن التفسيرات المتشددة التي ساهمت في خلق صور ذهنية مشوهة عن الدين الإسلامي، فالمشكلة لم تكن يومًا في الإسلام ذاته وإنما في بعض القراءات التي ابتعدت عن مقاصده الكبرى المتمثلة في حفظ الإنسان وصيانة كرامته وتحقيق العدل بين الناس.

ولعل أهمية هذه الرسالة الفكرية تتضاعف عندما تقترن بحراك ثقافي عملي على الأرض، وهو ما ظهر في الزيارة التي قام بها وفد مؤسسة “رسالة السلام العالمية” إلى الجمهورية التونسية، فالحوار الفكري لا يحقق أهدافه إذا ظل حبيس الكتب والمقالات بل يحتاج إلى جسور تواصل بين النخب الثقافية والأكاديمية العربية، وإلى منصات مشتركة لتبادل الأفكار والخبرات ومناقشة القضايا التي تشغل المجتمعات العربية.

ويحمل اختيار تونس لهذه الجولة دلالات مهمة، فهي من الدول التي تمتلك رصيدًا ثقافيًا وفكريًا كبيرًا ولها تجربة طويلة في التفاعل مع قضايا التحديث والتنوير، ومن ثم يمثل تعزيز التعاون بين المؤسسات الفكرية العربية خطوة إيجابية نحو بناء فضاء ثقافي عربي أكثر قدرة على مواجهة التحديات المشتركة سواء كانت فكرية أو تنموية أو اجتماعية.

كما تعكس استراتيجية بناء الشراكات المعرفية التي يتبناها مركز العرب للأبحاث والدراسات إدراكًا متزايدًا بأن معركة المستقبل لن تحسم فقط بالاقتصاد أو السياسة، وإنما بالوعي والمعرفة وإنتاج الأفكار القادرة على تحصين المجتمعات ضد التطرف والانقسام، فالأمم التي تستثمر في العقل وتدعم الحوار وتفتح أبواب النقاش الحر هي الأكثر قدرة على صناعة مستقبلها والحفاظ على استقرارها.

ومن اللافت أيضًا أن مجلة “العرب” لم تكتفي بالجانب الفكري، بل قدمت متابعة تحليلية واسعة للتحولات السياسية والتنموية في عدد من الدول العربية من مصر إلى الإمارات والسعودية وليبيا والسودان، ويعكس وهذا الجمع بين الفكر والتحليل السياسي فهمًا متوازنًا لطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة، حيث لا يمكن فصل النهضة الفكرية عن التنمية الاقتصادية ولا يمكن عزل الإصلاح الثقافي عن الاستقرار السياسي.

وفي النهاية، تبدو الرسالة التي يحملها الشرفاء الحمادي أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، فلا يمكن للعالم العربي أن يواجه أزماته المتراكمة إلا من خلال استعادة القيم التي قامت عليها حضارته وفي مقدمتها العدل والرحمة والتسامح واحترام الإنسان، فالإسلام الذي بنى حضارة امتدت قرونًا لم يكن يومًا دين صدام أو كراهية بل كان مشروعًا إنسانيًا واسعًا هدفه إعمار الأرض ونشر الخير بين الناس.

ومن هنا فإن الدعوة إلى “إسلام الرحمة” ليست مجرد عنوان لمقال فكري بل هي مشروع وعي يحتاجه العالم العربي اليوم، في مواجهة موجات التطرف من جهة ومحاولات تشويه الهوية من جهة أخرى، إنها دعوة لإعادة اكتشاف جوهر الرسالة الإسلامية كما أرادها الله سبحانه وتعالى: رسالة سلام وإصلاح وعدل ورحمة للعالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى