كتابنا

علاء عبدالله يكتب: بين غياب البوصلة وتكالب الذئاب.. قراءة في رؤية الشرفاء الحمادي لأزمة الأمة العربية

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتوالى الأزمات على امتداد الجغرافيا العربية، يطرح المفكر العربي الدكتور علي الشرفاء الحمادي رؤية مختلفة لأسباب التراجع الذي تعيشه الأمة العربية، رؤية لا تتوقف عند حدود السياسة أو الاقتصاد أو الصراعات العسكرية بل تغوص عميقًا في جذور الأزمة الحقيقية التي يراها كامنة في الفكر والثقافة والوعي الجمعي للأمة.

ومن خلال القراءة التي قدمها الكاتب خالد العوامي لأطروحة الشرفاء الحمادي، يتضح أن القضية ليست مجرد أوضاع سياسية مضطربة أو ظروف إقليمية معقدة، وإنما أزمة ممتدة تراكمت عبر عقود طويلة حتى وصلت الأمة إلى حالة من التشتت جعلتها تبدو وكأنها سفينة فقدت اتجاهها وسط أمواج متلاطمة لا تعرف إلى أي شاطئ تتجه.

يستحضر الشرفاء الحمادي صورة الأمة العربية في عصور ازدهارها، حين كانت منارة للعلم والحضارة والعدل وحين كان تأثيرها يمتد إلى مختلف بقاع الأرض، وكانت أمة تمتلك مشروعًا حضاريًا واضحًا ورسالة إنسانية سامية استطاعت من خلالها أن تترك بصمتها في تاريخ البشرية، لكن هذه الصورة المشرقة تقف اليوم على النقيض من واقع عربي مثقل بالصراعات والانقسامات والأزمات المتلاحقة.

ويرى الشرفاء أن ما حدث لم يكن وليد لحظة واحدة ولم يكن نتيجة مؤامرة خارجية فقط، بل جاء نتيجة مسار طويل من الابتعاد عن القيم التي شكلت أساس نهضة الأمة، فكلما تراجعت قيم العدل والرحمة والتسامح والاعتدال وكلما اتسعت الفجوة بين الناس وبين المبادئ التي دعا إليها القرآن الكريم، ازداد الضعف وتعمقت الأزمات.

وفي هذا السياق يلفت الشرفاء الحمادي الانتباه إلى أن الخطر الأكبر الذي واجه الأمة لم يكن احتلال الأرض وحده بل احتلال العقول، فحين يفقد الإنسان ثقته بنفسه ويتراجع وعيه بهويته الحضارية وتصبح الأفكار الوافدة بديلاً عن القيم الأصيلة، تتحول الهزيمة من حدث عسكري أو سياسي إلى أزمة وجودية تمس حاضر الأمة ومستقبلها.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة لأنها تفسر الكثير من مظاهر التراجع التي تعيشها المجتمعات العربية اليوم، فالأمم لا تنهار فقط بسبب الجيوش أو الحروب وإنما تنهار عندما تتفكك منظومتها الفكرية والأخلاقية، وعندما تصبح عاجزة عن إنتاج مشروعها الحضاري الخاص.

كما يتوقف الشرفاء الحمادي عند ظاهرة الانقسام العربي التي يراها أحد أهم أسباب الضعف، فالتنازع المستمر بين القوى السياسية والمذهبية والفكرية أدى إلى استنزاف الطاقات وتبديد الموارد وإضعاف القدرة على مواجهة التحديات الخارجية، وفي ظل هذا الواقع أصبحت كثير من الدول العربية ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية، فيما تراجع الدور العربي الجامع الذي كان يمثل عنصر قوة وتأثير في الماضي.

ومن النقاط المهمة التي يركز عليها الشرفاء الحمادي أيضًا قضية استغلال الدين لأغراض سياسية أو أيديولوجية، فهو يميز بوضوح بين جوهر الدين القائم على الرحمة والعدل والسلام، وبين الجماعات التي رفعت شعارات دينية لكنها قدمت ممارسات ساهمت في تشويه صورة الإسلام وإثارة الفتن والانقسامات، ويؤكد أن التطرف لم يضر المجتمعات العربية فقط، بل ألحق أضرارًا كبيرة بصورة الإسلام عالميًا وحول رسالة التسامح إلى مشاهد من العنف والصدام.

وعندما ينظر الشرفاء إلى خريطة العالم العربي اليوم، فإنه يرى مشاهد متكررة من الألم تمتد من فلسطين إلى سوريا والعراق والسودان وليبيا وغيرها من الدول التي عانت ويلات الحروب والنزاعات، فمدن مدمرة، ملايين النازحين، وأجيال كاملة نشأت في بيئة يغيب عنها الاستقرار والأمان، وهي مشاهد بحسب رؤيته، تعكس الثمن الباهظ الذي تدفعه الأمة نتيجة استمرار الانقسام وغياب المشروع المشترك.

لكن أطروحة الشرفاء الحمادي لا تتوقف عند تشخيص الأزمة فقط بل تقدم رؤية للخروج منها، فهو يعتقد أن النهضة الحقيقية لا تبدأ من الخارج ولا تتحقق عبر الاعتماد على القوى الدولية أو رفع الشعارات الرنانة، وإنما تبدأ من الداخل من إعادة بناء الإنسان العربي فكريًا وأخلاقيًا وثقافيًا.

فالعودة إلى قيم المعرفة والوعي والتسامح والعمل المشترك تمثل في نظره الأساس الحقيقي لأي مشروع نهضوي، كما أن استعادة الثقة بالنفس وبالهوية الحضارية تعد شرطًا ضروريًا لاستعادة المكانة والدور والتأثير.

وفي تقديري، تكمن أهمية طرح الشرفاء الحمادي في أنه يرفض الاكتفاء بإلقاء اللوم على الآخرين، ويدعو إلى مراجعة الذات قبل البحث عن المتهمين في الخارج، فالأمم التي تريد النهوض لا تبدأ بإحصاء أخطاء خصومها بل تبدأ بمعالجة نقاط ضعفها وبناء عناصر قوتها.

لقد مرت أمم كثيرة في التاريخ بأزمات أشد قسوة مما تمر به الأمة العربية اليوم، لكنها استطاعت أن تستعيد مكانتها عندما امتلكت الإرادة والرؤية الواضحة، ومن هنا تبدو رسالة الشرفاء الحمادي رسالة تدعو إلى الأمل بقدر ما تدعو إلى المراجعة وإلى العمل بقدر ما تدعو إلى التأمل.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذه القراءة: هل تمتلك الأمة العربية اليوم الشجاعة الكافية لمواجهة أسباب أزمتها الحقيقية؟ وهل تستطيع أن تستعيد بوصلتها الحضارية قبل أن تزداد العواصف قوة؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي سوف تحدد شكل المستقبل العربي في السنوات والعقود المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى