مدينة الحضر الأثرية.. عاصمة صحراوية هزمت الإمبراطوريات قبل أن يسقطها الزمن
أسماء صبحي– تعد مدينة الحضر الأثرية واحدة من أهم وأغنى المدن الأثرية في الشرق الأوسط. وشاهدًا نادرًا على حضارة عربية–شرقية ازدهرت في قلب الصحراء شمالي العراق. قبل أن تتحول إلى أطلال تحكي قصة قوة سياسية وتجارية واجهت أعظم إمبراطوريات عصرها. وتقع الحضر على بعد نحو 110 كيلومترات جنوب غرب مدينة الموصل. وقد مثلت خلال القرون الأولى للميلاد نموذجًا فريدًا لمدينة استطاعت الجمع بين الاستقلال السياسي والتنوع الثقافي.
نشأة مدينة الحضر الأثرية
تأسست الحضر في الفترة الممتدة بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي. وبرزت كعاصمة لمملكة عربية مستقلة عُرفت باسم مملكة الحضر. ويعود ازدهارها إلى موقعها الاستراتيجي على طرق التجارة التي ربطت بين بلاد الرافدين، والشام، وشبه الجزيرة العربية، مما جعلها محطة رئيسية للقوافل التجارية.
تميز موقع الحضر بكونه حصينًا طبيعيًا، تحيط به الصحراء من معظم الجهات. وهو ما منح المدينة قدرة دفاعية عالية ساعدتها لاحقًا على الصمود أمام الحملات العسكرية الكبرى.
مدينة تصدت لروما
تسجل المصادر التاريخية أن مدينة الحضر نجحت في صدّ هجومين عسكريين للإمبراطورية الرومانية. الأول في عهد الإمبراطور تراجان، والثاني في عهد سبتيموس سيفيروس، وهو إنجاز نادر لمدينة صحراوية في تلك المرحلة.
ويرجع المؤرخون هذا الصمود إلى التحصينات المعمارية المتقدمة للمدينة. إضافة إلى التنظيم العسكري والإدارة السياسية التي اعتمدها ملوك الحضر الذين حمل بعضهم ألقابًا عربية واضحة، ما يعكس الطابع المحلي للسلطة.
العمارة والفن
تعد الحضر نموذجًا فريدًا للتفاعل الحضاري، حيث تجمع عمارتها بين الطرازين الشرقي والغربي. وتضم المدينة سورًا دائريًا ضخمًا مدعمًا بأبراج دفاعية إضافة إلى مجمّعات معابد هائلة الحجم أبرزها المعبد الكبير الذي خصص لعبادات متعددة.
وتكشف النقوش والتماثيل المكتشفة في الموقع عن مزيج ثقافي لافت. إذ تظهر التأثيرات الهلنستية، والفرثية، والرافدية، والعربية في آنٍ واحد، سواء في الأزياء، أو الملامح، أو أساليب النحت.
كما عثر في الحضر على كتابات بلغات متعددة، منها الآرامية، ما يدل على التنوع اللغوي والديني الذي ميّز المدينة.
سقوط المدينة واختفاؤها
رغم قوتها، سقطت مدينة الحضر في منتصف القرن الثالث الميلادي على يد الإمبراطورية الساسانية وتحديدًا في عهد الملك شابور الأول. وبعد هذا السقوط، فقدت المدينة مكانتها تدريجيًا وتركت مهجورة لتتحول مع الزمن إلى موقع أثري مدفون تحت الرمال.
هذا الاختفاء المفاجئ ساهم في حفظ كثير من معالمها إذ لم تبنى فوقها مدن لاحقة مما جعلها موقعًا أثريًا شبه متكامل.
الحضر والتراث العالمي
في عام 1985، أدرجت منظمة اليونسكو مدينة الحضر على قائمة التراث العالمي. باعتبارها مثالًا فريدًا على مدينة محصنة ازدهرت في بيئة صحراوية قاسية. غير أن الموقع تعرض خلال السنوات الأخيرة لأضرار جسيمة خاصة في فترة سيطرة تنظيم “داعش” حيث لحقت أضرار بالغة بالتماثيل والمعابد.
ورغم ذلك، يؤكد خبراء الآثار أن جزءًا مهمًا من الموقع لا يزال قابلًا للترميم. وأن الحضر تمثل أولوية قصوى في جهود حماية التراث العراقي.
ويقول الدكتور قيس حسين رشيد، أستاذ الآثار وتاريخ العراق القديم، إن مدينة الحضر ليست مجرد أطلال حجرية. بل شهادة حية على قدرة العرب القدماء على بناء دولة قوية، متعددة الثقافات، استطاعت مواجهة روما نفسها. إن إنقاذ هذا الموقع هو إنقاذ لجزء أصيل من تاريخ المنطقة.



