حوارات و تقارير

«السوق المصري» في إسطنبول.. حكاية قرون من التجارة وروائح الشرق التي بدأت من مصر

أميرة جادو

في قلب مدينة إسطنبول التاريخية، وبين الحارات العتيقة التي تفوح منها رائحة الماضي، يقف “السوق المصري” شاهداً على قرون ممتدة من التبادل الحضاري والتجاري بين مصر والدولة العثمانية.

السوق المصري في اسطنبول

هناك، في منطقة أمينونو القريبة من خليج القرن الذهبي، لا يبدو المكان مجرد سوق تقليدي، بل رحلة آسرة تعيد الزائر إلى زمن القوافل البحرية وروائح التوابل القادمة من الشرق، حيث لا يزال اسم مصر حاضراً في تفاصيل المكان وذاكرته حتى اليوم، بحسب ما ذكره الدكتور حسين دقيل الباحث المتخصص في الآثار اليونانية والرومانية.

ويعد السوق المصري واحداً من أقدم وأشهر الأسواق التاريخية في إسطنبول، كما يمثل وجهة رئيسية لملايين الزوار والسياح القادمين من مختلف دول العالم، لما يتمتع به من طابع تراثي استثنائي يمزج بين التاريخ والتجارة والفنون الشرقية.

كما يقع السوق في منطقة حيوية مطلة على خليج القرن الذهبي، بالقرب من الموانئ القديمة التي كانت تستقبل السفن التجارية القادمة من الشرق، وهو ما منح الموقع أهمية اقتصادية وتجارية كبرى على مدار قرون طويلة.

وبدأ إنشاء السوق في أواخر القرن السادس عشر خلال عهد السلطان العثماني محمد الثالث، فيما اكتمل بناؤه عام 1664 في عهد السلطان محمد الرابع، وذلك ضمن مشروع مسجد “يني جامع” الشهير، أحد أبرز المعالم المعمارية العثمانية في إسطنبول.

وكان السوق جزءاً من مجمع ضخم يضم منشآت دينية وتجارية وخدمية، هدفها دعم النشاط الاقتصادي وتمويل المؤسسات الدينية، وهو ما يعكس مكانة الأسواق في الحضارة العثمانية باعتبارها مراكز للحياة اليومية والثقافية.

لماذا سمي بـ”السوق المصري”؟

يحمل السوق اسماً يرتبط بشكل مباشر بمصر، في دلالة واضحة على عمق العلاقات التجارية والتاريخية التي جمعت بين القاهرة وإسطنبول خلال الحقبة العثمانية.

وتشير الروايات التاريخية إلى أن غالبية البضائع التي كانت تباع داخل السوق، خاصة التوابل والأعشاب والعطور والبن، كانت تأتي من مصر أو تمر عبر موانئها التجارية، وهو ما جعل الناس يطلقون عليه اسم “السوق المصري”.

كما يذكر بعض المؤرخين سبباً آخر لهذه التسمية، يتمثل في أن جزءاً من الضرائب والإيرادات القادمة من مصر خلال الحكم العثماني كان يخصص للمساهمة في تمويل بناء مسجد “يني جامع” والمنشآت التابعة له، ومن بينها هذا السوق التاريخي.

عالم من الروائح والألوان والحكايات

وبمجرد دخول الزائر إلى السوق، يجد نفسه أمام عالم مختلف، حيث تختلط روائح القرفة والقرنفل والزعفران والقهوة التركية بأصوات الباعة والزوار القادمين من جنسيات متعددة، في مشهد شرقي نابض بالحياة.

وتزدان الممرات التاريخية بألوان التوابل الزاهية والحلوى التركية والمكسرات والأعشاب الطبيعية، بينما تتدلى المصابيح التقليدية فوق المحال القديمة، لتضفي على المكان سحراً خاصاً يجذب عشاق التاريخ والتراث والتصوير.

كما يشتهر السوق ببيع العطور الشرقية، والشاي التركي، والحلويات التقليدية، إلى جانب المنتجات اليدوية والهدايا التذكارية التي تحمل الطابع العثماني الأصيل.

السوق المصري.. ذاكرة حضارية بين مصر وتركيا

وعلى الرغم من مرور قرون طويلة على تأسيسه، لا يزال السوق المصري يمثل رمزاً للعلاقة التاريخية الممتدة بين مصر وتركيا، وشاهداً على عصر كانت فيه القاهرة مركزاً تجارياً عالمياً تمر عبره البضائع القادمة من الشرق إلى أوروبا.

كما يعكس السوق كيف استطاعت الحضارة المصرية أن تترك بصمتها خارج حدودها الجغرافية ليس فقط عبر الثقافة والفنون بل أيضاً من خلال التجارة والاقتصاد والتأثير الحضاري، واليوم لم يعد السوق مجرد مكان للبيع والشراء، بل تحول إلى معلم سياحي وثقافي بارز، يقصده الملايين سنوياً لاكتشاف روح إسطنبول القديمة، والعيش للحظات داخل أجواء شرقية ساحرة ما زالت تحتفظ باسم مصر في قلبها حتى الآن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى