حوارات و تقارير

الدقهلية بين عبق التاريخ ونهضة الحاضر.. من جزيرة الورد إلى قلب التنمية

عرفت الدقهلية بلقب عروس النيل، وأطلق على عاصمتها قديماً اسم جزيرة الورد، نظراً لوجود جزيرة جميلة وسط النيل تزينها الأشجار والزهور، تحولت اليوم إلى جزء من المشاية السفلية بمدينة المنصورة، وتحتلها حالياً منشآت نادي جزيرة الورد أحد أبرز الأندية في المحافظة، ومن هذا المشهد تبدأ الرحلة لاكتشاف أسرار الدقهلية، نشأتها، وتاريخها العريق، وسبب تسميتها، وكذلك قصة المنصورة التي صارت قلبها النابض.

من الحوف إلى الريف.. التقسيم الأول لأرض الدلتا

وفي هذا الصدد قال د.عبدالباقى السيد القطان أستاذ التاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية بجامعة عين شمس، أن مع دخول العرب إلى مصر، قُسمت أراضي الدلتا إلى منطقتين، الحوف والريف، و شمل الحوف الأراضي شرق فرع دمياط من عين شمس إلى دمياط، أما الريف فضم باقي أراضي الدلتا وصولاً إلى الإسكندرية، وقُسمت هذه الأراضي إلى 44 كورة، توزعت إلى 14 للحوف و31 للريف، وكانت مساحة الكورة تعادل مساحة المركز في العصر الحديث.

كما نوه أستاذ التاريخ الإسلامى والحضارة الإسلامية، أن في القرن الثالث الهجري تغير هذا التقسيم ليشمل ثلاثة أقسام جديدة هي الحوف الشرقي، الحوف الغربي، وبطن الريف، ثم ألغى الفاطميون هذا النظام واستبدلوه بتقسيم آخر شمل 22 إقليماً منها 13 بالوجه البحري مثل الدقهلية، الشرقية، الأبوانية، والمرتاحية.

المرتاحية مركزها أجا والمنصورة

المرتاحية كانت إقليماً ضمن الوجه البحري في العهد العربي، ويطلق عليه كورة المرتاحية، وتمركز في المنطقة التي تشمل اليوم مركزي المنصورة وأجا، بينما جاوره من الشمال إقليم الدقهلية الذي شمل مناطق مثل فارسكور، دكرنس، منية النصر، والمنزلة.

دقهلة.. قرية منحت اسمها للإقليم

أهم قرى إقليم الدقهلية آنذاك كانت قرية دقهلة، وهي من القرى القديمة التي ذُكرت في كتاب المسالك لابن خرداذبه تحت اسم كورة دقهلة، ومنذ الفتح العربي أصبح الإقليم يحمل اسمها، كانت مساكنها تقع شرق ترعة الشرقاوية، في ما يعرف اليوم بعزبة الكاشف، ومع تهالك المباني القديمة، أنشأ السكان قرية جديدة إلى الشمال الغربي، لا تبعد أكثر من كيلومتر.

صارت دقهلة مركزاً لإقليم الدقهلية لفترة طويلة، إلى أن توحدت مع المرتاحية ليصبحا معاً إقليماً واحداً تحت اسم أعمال الدقهلية والمرتاحية، ثم نُقلت العاصمة إلى أشمون طناح أو أشمون الرمان لتوسطها بين المنطقتين.

المنصورة عاصمة جديدة في ظل الحكم العثماني

في بداية العهد العثماني، اختصر اسم الإقليم إلى الدقهلية فقط، ونُقلت عاصمته إلى المنصورة عام 1527، وامتدت حدود التقسيم من السنبلاوين جنوباً إلى أطراف شربين شمالاً، أما الأراضي على جانبي فرع دمياط خارجه، فكانت تُعرف بثغر دمياط، فيما سُمي الجزء الجنوبي من المحافظة الحالية باسم نوسا وكان يضم مركزي أجا وميت غمر.

تأسيس المنصورة على يد الملك الكامل

أسس الملك الكامل محمد بن العادل الأيوبي مدينة المنصورة عام 616 هـ في مواجهة قرية جوجر، عند نقطة التقاء فرعي دمياط وأشموم، في جزيرة تُعرف باسم البشمور، لبناء قاعدة عسكرية في وجه الفرنج أثناء حصارهم لدمياط.

ذكر المؤرخون أن المنصورة أنشئت في مواجهة طلخا لا جوجر، وشهدت بناء القصور والأسواق والمساجد والحمامات، وأُحيطت بأسوار دفاعية، وأطلق عليها اسم المنصورة تفاؤلاً بالنصر، وبالفعل تحققت التسمية حين استعاد الكامل مدينة دمياط.

من أشمون الرمان إلى المنصورة

ظلت أشمون طناح قاعدة للإقليم في عهد المماليك، لكنها فقدت أهميتها مع حلول العهد العثماني، بسبب بعدها عن النيل، وهو ما دفع سليمان الخادم والي مصر إلى إصدار أمر في 933 هـ بنقل ديوان الحكم إلى المنصورة، لموقعها المركزي وموقعها المتميز على النهر، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت المنصورة عاصمة الدقهلية.

استقلال بندر المنصورة عن المركز

أنشئ قسم المنصورة عام 1871، ثم تحوّل إلى مركز في 1881، ومع زيادة الأعمال والمسؤوليات، أصدرت وزارة الداخلية عام 1890 قراراً بإنشاء مأمورية مستقلة لبندر المنصورة، ليصبح كياناً إدارياً منفصلاً عن المركز. وتميزت المنصورة بموقعها على فرع دمياط، ومكانتها كمركز تجاري وطبي في الوجه البحري.

الدقهلية اليوم بين الزراعة والصناعة

تقع محافظة الدقهلية على جانبي فرع دمياط شمال شرق دلتا النيل، وتصل مساحتها إلى 3538.2 كيلومتراً مربعاً، وتبلغ المساحة الزراعية بها نحو 647 ألف فدان، ما يجعلها ثالث أكبر محافظات الجمهورية في الزراعة بعد الشرقية والبحيرة، وتضم 19 مركزاً وتتمتع بثروات زراعية وسمكية ولحوم متنوعة، فضلاً عن انتشار الصناعات الكبرى.

تعداد السكان في الدقهلية

أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن عدد سكان الدقهلية بلغ 7,098,015 نسمة، منهم 3288439 من الذكور، و3221470 من الإناث، ويصل عدد الأطفال إلى 738810، ما يجعلها من أكثر المحافظات كثافة سكانية.

شعار الدقهلية وعيدها القومي

يحمل شعار المحافظة خلفية خضراء ترمز للزراعة، وترساً يمثل الصناعة، وتحتفل الدقهلية بعيدها القومي يوم 8 فبراير من كل عام، في ذكرى أسر لويس التاسع خلال معارك الحملة الفرنسية عام 1250، حيث أُسر في دار ابن لقمان وظل محتجزاً ثلاثة أشهر، قبل أن يدفع الفدية ويعود إلى بلاده.

التقسيم الإداري للمحافظة

تضم المحافظة 19 مركزاً، و19 مدينة، و499 قرية، إلى جانب مدينة المنصورة الجديدة والمراكز هي: المنصورة، أجا، السنبلاوين، بلقاس، الستاموني، دكرنس، منية النصر، المنزلة، الجمالية، المطرية، تمي الأمديد، بني عبيد، شربين، طلخا، الكردي، محلة دمنة، ميت سلسيل، ميت غمر، نبروه.

حياة كريمة تغيّر وجه الدقهلية

دخلت محافظة الدقهلية خريطة التطوير بفضل مبادرة حياة كريمة، التي استهدفت في مرحلتها الأولى 26 قرية تخدم أكثر من 380 ألف نسمة، منهم قرابة النصف من الإناث، وشملت المشروعات إنشاء عمارات للأسر الأولى بالرعاية، وحدات اجتماعية، نقاط إسعاف، وحدات صحية، مدارس، محطات مياه وصرف صحي، ومراكز شباب.

بلغت الاستثمارات في مجال الإسكان أكثر من 419 مليون جنيه لمياه الشرب والصرف، إلى جانب تنفيذ مشروعات رصف طرق بقيمة تقارب 469 مليون جنيه، ضمن خطة تنموية شاملة تهدف إلى رفع جودة الحياة وتحقيق التنمية المستدامة في مختلف مناطق المحافظة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى