علاء عبدالله يكتب: الحج بين نور العبادة وسلطة الموروث.. هل ابتعد الناس عن جوهر الرسالة؟
في زمن تتشابك فيه العادات بالمقدسات وتتداخل فيه التفسيرات البشرية مع النص الإلهي، يعود السؤال القديم ليطرق أبواب العقل والروح معًا: هل ما نمارسه اليوم في الحج هو ذات المعنى الذي أراده الله لعباده؟ أم أن الفريضة التي نزلت رحمةً وتطهيرًا للنفس أغرقت مع الزمن في طقوس وتقاليد أضافها البشر حتى حجبت جوهرها الحقيقي؟.
وسط هذا الجدل الفكري والديني، يطرح المفكر العربي الكبير الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي رؤية مختلفة تدعو إلى إعادة قراءة فريضة الحج من داخل القرآن الكريم نفسه، بعيدًا عن التراكمات الفقهية والموروثات التي حولت العبادة – بحسب رؤيته – من رحلة روحية خالصة إلى طقوس يغلب عليها الشكل أكثر من المعنى.
يرى الشرفاء الحمادي أن الحج في أصله ليس استعراضًا جماهيريًا، ولا سباقًا نحو الأحجار والرموز، بل تجربة إيمانية تهدف إلى تهذيب النفس وتحرير الإنسان من الغرور والخوف والتبعية العمياء، فنداء “لبيك اللهم لبيك” لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد كلمات تردد، بينما ينشغل الناس بالتدافع والتزاحم حول ممارسات لم يرد بها نص قرآني صريح.
ويؤكد أن المقصد الأساسي للحج يتمثل في التقوى، ضبط النفس، التسامح، والتعاون بين الناس، مستشهدًا بقول الله تعالى: “الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج”.
فالعبادة هنا، كما يوضح، ليست طقوسًا جامدة بل مدرسة أخلاقية وإنسانية تعيد صياغة علاقة الإنسان بربه وبالناس من حوله.
ومن أبرز النقاط التي يثيرها الشرفاء الحمادي تساؤلاته حول بعض الممارسات المرتبطة بالحج مثل تقبيل الحجر أو رجم الجمرات، متسائلًا عن الأساس القرآني الواضح لهذه الطقوس، وهل تحولت مع الزمن إلى ممارسات تؤدى بالتقليد أكثر من الفهم؟ وهو يرى أن الدين لا ينبغي أن يبنى على الخوف من السؤال بل على التدبر والوعي والعودة المباشرة إلى كتاب الله.
ويذهب المفكر العربي إلى أن كثيرًا من الناس أصبحوا يؤدون الحج تحت ضغط اجتماعي أو بدافع المظاهر، حتى تحولت الرحلة الروحية عند البعض إلى عبء مادي واستعراض اجتماعي، بينما الأصل فيها – كما يقول – أنها عبادة مرتبطة بالاستطاعة والرحمة، مستشهدًا بقوله تعالى: “لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها”، وقوله سبحانه: “يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر”.
كما يرفض الشرفاء الحمادي ما يصفه بالمغالاة في الفتاوى التي تحمل الناس فوق طاقتهم سواء في الحج أو الأضحية، مؤكدًا أن الله لم يجعل العبادة بابًا للعذاب أو المشقة وإنما طريقًا للسكينة والتقوى، لذلك يدعو إلى تحرير الشعائر من الاستغلال الديني والتجاري وإعادتها إلى معناها النقي البعيد عن التعقيد والتشدد.
وفي مشروعه الفكري، يركز الشرفاء على ضرورة التمييز بين النص الإلهي الثابت والاجتهادات البشرية المتغيرة، معتبرًا أن العودة إلى القرآن الكريم هي الطريق الأقرب لفهم روح الإسلام ومقاصده الكبرى، بعيدًا عن التأويلات التي صنعت – على حد تعبيره – حواجز بين الإنسان وحقيقة الدين.
ويختتم رؤيته بالتأكيد على أن الحج الحقيقي لا يبدأ من الطريق إلى مكة فقط بل من داخل الإنسان نفسه، من قلب يتحرر من الرياء، وعقل يرفض التقليد الأعمى، وروح تبحث عن الله بعيدًا عن ضجيج المظاهر، فالحج في جوهره، ليس مجرد انتقال بالجسد بل رحلة وعي وإيمان وتجرد كامل لله وحده.


