تاريخ ومزارات

جبل ضوران وحصن الدامغ.. معقل حمير وعاصمة الدولة القاسمية في قلب اليمن

في المرتفعات الغربية من محافظة ذمار، تقف مديرية ضوران آنس كواحدة من أكثر المناطق اليمنية حضورًا في التاريخ والسياسة والبنية القبلية، فهذه المنطقة الجبلية لم تكن مجرد تجمع سكاني عابر، بل مثلت عبر القرون خزانًا بشريًا هائلًا ومركزًا استراتيجيًا بالغ التأثير، حتى إن السيطرة عليها كانت تعني امتلاك مفتاح النفوذ في أجزاء واسعة من اليمن.

موقع جبل ضوران وحصن الدامغ

تقع مدينة ضوران، مركز المديرية، على بعد نحو 50 كيلومترًا غرب مدينة ذمار، وتضم المديرية ستة مخاليف رئيسية متجذرة في التركيبة القبلية اليمنية، وهي مخلاف ضوران، ومخلاف الجبل، ومخلاف ابن حاتم، ومخلاف بني خالد، ومخلاف حمير، ومخلاف بني سويد، وقد استمدت المدينة اسمها من جبل ضوران الشاهق، ذلك الجبل الذي حضر بقوة في مؤلفات المؤرخ اليمني الشهير الحسن الهمداني، حيث ذكره ضمن جبال آنس في كتابه صفة جزيرة العرب، كما أشار إليه في كتاب الإكليل عند حديثه عن قبائل الهان وبكيل وآنس.

وقد حظي جبل ضوران بمكانة خاصة لدى الجغرافيين والمؤرخين المسلمين، إذ وصفه ياقوت الحموي في معجم البلدان بأنه أحد حصون اليمن التابعة لبني الهرش، وهم فرع قبلي يعود إلى ذي جرت من بطون عريب بن زيد بن كهلان، وتبرز أهمية هذه القبيلة تاريخيًا بكون أول رئيس للجمهورية اليمنية، عبد الله السلال، ينتسب إليها.

وفي قلب جبل ضوران ترتفع قمة الدامغ، وهي واحدة من أكثر القلاع الطبيعية مهابة في اليمن، وقد أفاض الهمداني في وصفها ضمن الإكليل، فصورها كجبل شاهق تتدلى على أكتافه السحب وتلامس قممه أشعة الشمس، وعدها من المعالم الحميرية العريقة ذات الحضور الأسطوري في الذاكرة اليمنية، كما أشار إلى أن الدامغ كان يعرف أيضًا باسم مركبان، وأنه يقع فوق أراضي قبائل بكيل والهان وهمدان، وسكنته بطون حميرية ارتبطت بتاريخ الملوك الحميريين، ومنهم ذو ذيبان بن ذي مراثد الحميري.

ارتبط جبل الدامغ تاريخيًا بـ مملكة حمير، وظل في المخيال الشعبي اليمني موضعًا للروايات المرتبطة بخروج منصور حمير أو ما يعرف في بعض المرويات باسم مهدي اليمن، وربما لهذا السبب احتفظ الجبل بمكانته الرمزية والسياسية حتى العصور الإسلامية المتأخرة.

ومع قيام الدولة القاسمية في اليمن، تحولت ضوران إلى مركز سياسي بالغ الأهمية، فقد اختار الإمام الحسن بن القاسم جبل الدامغ مقرًا لحكمه خلال القرن الحادي عشر الهجري، وأمر ببناء حصن الدامغ ليكون قاعدة سياسية وعسكرية للدولة القاسمية التي حكمت أجزاء واسعة من اليمن لقرون، ثم جاء الإمام المتوكل على الله إسماعيل ليتخذ من مدينة ضوران عاصمة لدولته، ومنها تمكن، بدعم قبائل همدان، من توحيد معظم الأراضي اليمنية تحت سلطته، ليصبح أحد أبرز الحكام الذين أعادوا توحيد اليمن في العصر الإسلامي.

وخلال العصر القاسمي شهدت ضوران ازدهارًا علميًا وعمرانيًا كبيرًا، فشيدت القصور والمساجد، وتحولت المدينة إلى مركز علمي بارز تخرج فيه عدد كبير من علماء اليمن وفقهائه، وكانت المدينة القديمة تقوم فوق جبل بركاني، غير أن الزلزال المدمر الذي ضرب المنطقة عام 1982 أدى إلى انهيارها بالكامل، ما دفع السكان إلى الانتقال نحو منطقة منبسطة تبعد قرابة 15 كيلومترًا شمالًا، حيث أسسوا مدينة جديدة احتفظت باسم ضوران وفاءً لذاكرة المدينة التاريخية العريقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى