كتابنا

علاء عبدالله يكتب: من فيينا تبدأ معركة الوعي.. لماذا يحتاج العالم اليوم إلى الفكر التنويري للمفكر والدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي؟

في وقت تتزايد فيه الأزمات الاجتماعية وتتراجع فيه قيم التماسك الأسري أمام موجات العنف والتفكك والصراعات الفكرية، تبدو أي محاولة جادة لإعادة بناء الإنسان على أسس السلام والمحبة والتعايش وكأنها معركة حقيقية من أجل إنقاذ المجتمعات، ومن هنا تكتسب التحركات الفكرية والثقافية التي تقودها مؤسسة “رسالة السلام العالمية” أهمية خاصة، خصوصًا حين تنطلق من قلب أوروبا وتحديدًا من العاصمة النمساوية فيينا، لتقديم نموذج مختلف للفكر الإسلامي المستنير الذي يدعو إليه المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي.

اللقاء الذي جمع وفد المؤسسة بممثلي المجتمع المدني في النمسا لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي أو نشاط ثقافي عابر، بل بدا وكأنه خطوة جديدة في مشروع طويل يسعى إلى إعادة تقديم الثقافة العربية والإسلامية بصورة أكثر إنسانية وواقعية، بعيدًا عن الصور النمطية والصراعات التي أرهقت العالم لسنوات طويلة.

اللافت في هذا التحرك أنه لا يعتمد فقط على الشعارات أو الخطابات النظرية، بل يركز على قضايا تمس الإنسان بشكل مباشر، وفي مقدمتها الأسرة باعتبارها النواة الأساسية لاستقرار أي مجتمع، وهنا جاءت الإشارة المهمة إلى كتاب “الطلاق يهدد أمن المجتمع” للأستاذ علي الشرفاء، والذي يطرح رؤية مختلفة لمعالجة واحدة من أخطر الأزمات الاجتماعية في العالم العربي، وهي ارتفاع معدلات الطلاق وتفكك العلاقات الأسرية.

وما طرحه الكاتب الصحفي مجدي طنطاوي خلال اللقاء يعكس إدراكًا حقيقيًا لحجم المشكلة، خاصة عندما تحدث عن فكرة “عقد النكاح” المقترح المستمد من القرآن الكريم، والذي يتضمن 18 بندًا تهدف إلى تنظيم العلاقة الزوجية على أساس الشراكة والتفاهم والاحترام المتبادل، لا على فكرة الهيمنة أو القرار الأحادي، فالمجتمعات لا تنهار فجأة، بل تبدأ رحلة الانهيار من داخل الأسرة حين تغيب ثقافة الحوار والتأهيل النفسي والاجتماعي.

ولعل من أهم النقاط التي تستحق التوقف عندها هي الدعوة إلى إخضاع المقبلين على الزواج لدورات تأهيلية ونفسية وقانونية، لأن الزواج في حقيقته ليس مجرد مناسبة اجتماعية أو إجراء رسمي، بل مسؤولية إنسانية تحتاج إلى وعي ونضج واستعداد حقيقي، وربما لو تم التعامل مع هذه الفكرة بجدية داخل مجتمعاتنا، لتراجعت أرقام الطلاق التي أصبحت تهدد استقرار أجيال كاملة.

الأهم من ذلك أن هذا المشروع التنويري لا يكتفي بالحديث داخل الإطار العربي فقط، بل يحاول الوصول إلى المجتمع الأوروبي والجاليات العربية بالخارج عبر أدوات ثقافية وإنسانية متنوعة، وهو ما أوضحه الكاتب بهجت العبيدي من خلال الإعلان عن المشاركة في السوق الثقافي الكبير الذي ترعاه بلدية فيينا والحكومة النمساوية، إضافة إلى توزيع كتب الأستاذ علي الشرفاء المترجمة باللغتين العربية والألمانية.

وتحمل هذه الخطوة رسالة بالغة الأهمية، لأن تصدير صورة حقيقية ومستنيرة عن الثقافة الإسلامية أصبح ضرورة في ظل تنامي خطابات الكراهية والتطرف في أكثر من مكان بالعالم، فالعالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الصدام، بل إلى أفكار تعزز التعايش وتحترم التنوع الإنساني والديني والثقافي.

كما يعكس اختيار الفعاليات الثقافية والرحلات الأسرية لتوزيع المطبوعات الفكرية فهمًا ذكيًا لطبيعة التأثير الثقافي الناعم، فالأفكار لا تنتشر بالقوة أو الصخب، بل بالحوار والتواصل والاقتراب من الناس في تفاصيل حياتهم اليومية ومن الواضح أن مؤسسة “رسالة السلام العالمية” تحاول بناء نموذج مختلف للعمل الفكري، يقوم على الانفتاح والشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني، بعيدًا عن الانغلاق أو الخطابات التقليدية التي لم تعد قادرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة.

إن أخطر ما تواجهه المجتمعات اليوم ليس فقط الأزمات الاقتصادية أو السياسية بل غياب الوعي وتراجع القيم الإنسانية المشتركة، لذلك فإن أي مشروع يعيد الاعتبار للسلام والأسرة والتسامح يستحق التقدير والدعم، خاصة إذا كان يعتمد على خطاب عقلاني يربط بين النص الديني ومتطلبات الواقع الحديث.

وربما تكون الرسالة الأهم في لقاء فيينا أن العالم ما زال بحاجة إلى صوت عربي مستنير، يقدم الإسلام باعتباره رسالة أخلاق ورحمة وسلام لا أداة للصراع والانقسام، وهذا بالضبط ما يحاول مشروع علي الشرفاء أن يقدمه في وقت أصبح فيه العالم أكثر احتياجًا إلى الحكمة من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى