كتابنا

علاء عبدالله يكتب: من اليونسكو إلى العالم.. لماذا يفرض الفكر العربي المستنير حضوره اليوم؟

في لحظة يزداد فيها العالم اضطرابًا وتتسع فيها مساحات الصراع والكراهية والانقسام، يصبح ظهور أي مشروع فكري يدعو إلى السلام والتسامح حدثًا يستحق التوقف أمامه طويلًا، خاصة إذا خرج هذا الصوت من قلب العالم العربي إلى واحدة من أهم المنصات الثقافية الدولية وهي منظمة اليونسكو.

ما جرى داخل مقر اليونسكو في باريس خلال فعاليات اليوم العالمي لأفريقيا لم يكن مجرد مشاركة بروتوكولية عابرة، بل كان مشهدًا يحمل دلالات أعمق بكثير من مجرد توزيع كتب أو حضور ثقافي رمزي، لأن تصدر كتب وإصدارات المفكر العربي علي محمد الشرفاء للمشهد وسط ممثلي 66 دولة يكشف عن حالة اهتمام متزايدة بخطاب عربي مختلف، خطاب يحاول أن يقدم صورة أخرى عن المنطقة العربية والإسلامية بعيدًا عن مشاهد العنف والتشدد التي سيطرت طويلًا على الصورة الذهنية في العالم.

الأهمية الحقيقية لهذه المشاركة لا تكمن فقط في الحضور داخل مؤسسة دولية بحجم اليونسكو وإنما في طبيعة الرسالة نفسها، فالعالم اليوم لا يبحث فقط عن حلول سياسية للأزمات، بل يبحث عن خطاب إنساني قادر على إعادة بناء الجسور بين الشعوب والثقافات والأديان، وهنا تحديدًا يبرز المشروع الفكري الذي تحمله مؤسسة رسالة السلام العالمية والقائم على إعادة تقديم قيم الرحمة والتسامح والتعايش باعتبارها جوهر الرسالات السماوية.

كان المشهد داخل جناح المؤسسة في باريس معبرًا للغاية، فالإقبال الكبير من الدبلوماسيين والشباب وممثلي المجتمع المدني لم يكن بدافع الفضول فقط، بل لأن العالم بات يشعر بحالة إنهاك حقيقية من خطابات الكراهية والصدام، وأصبح أكثر استعدادًا للاستماع إلى أي رؤية تدعو إلى احترام الإنسان وحقه في الحياة والاختلاف والكرامة الإنسانية.

اللافت أيضًا أن هذه المشاركة جاءت في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتزايد الصراعات الدولية والانقسامات الثقافية والدينية وتتصاعد النزعات العنصرية في أكثر من مكان حول العالم، وهو ما يجعل الحديث عن “السلام” ليس رفاهية فكرية بل ضرورة إنسانية وسياسية وأخلاقية.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تحول جناح مؤسسة رسالة السلام إلى مساحة للنقاش والحوار داخل اليونسكو، لأن القضية لم تعد مرتبطة فقط بالدين أو الثقافة بل أصبحت مرتبطة بمستقبل العالم نفسه، وبالسؤال الكبير: كيف يمكن للبشرية أن تتعايش في ظل هذا الكم من الأزمات والانقسامات؟.

إن تقديم الفكر العربي المستنير داخل المحافل الدولية خطوة شديدة الأهمية، لأن المشكلة لم تكن يومًا في غياب الحضارة العربية أو الفكر العربي، وإنما في ضعف تصدير النماذج المضيئة القادرة على مخاطبة العالم بلغة إنسانية معاصرة، ولعل ما حدث في باريس يعكس محاولة جادة لاستعادة هذا الدور، وإعادة تقديم العقل العربي باعتباره شريكًا في صناعة السلام العالمي وليس مجرد متلقٍ للأزمات والصراعات.

كذلك فإن التركيز على تصحيح المفاهيم المغلوطة يحمل دلالة مهمة، لأن كثيرًا من الأزمات التي يعيشها العالم اليوم بدأت أصلًا من سوء الفهم أو من توظيف الدين والثقافة في صناعة الكراهية والانقسام، ولذلك فإن أي مشروع يدعو إلى مراجعة هذه المفاهيم وإعادة بناء الخطاب الإنساني على أساس الرحمة والتسامح يصبح مشروعًا يستحق الاهتمام والدعم.

ما حدث في اليونسكو يؤكد أيضًا أن القوة الناعمة العربية ما زالت قادرة على الحضور والتأثير حين تمتلك مشروعًا واضحًا ورسالة حقيقية، فالعالم لا يحترم الضجيج لكنه ينصت جيدًا للأفكار التي تحمل بعدًا إنسانيًا صادقًا وقادرًا على مخاطبة الضمير العالمي.

وفي تقديري، فإن القيمة الأكبر لهذا المشهد تكمن في أنه يعيد طرح سؤال مهم جدًا: هل يمكن للفكر والثقافة أن يكونا وسيلة لإنقاذ العالم من العنف والتطرف؟ ربما لا يملك أحد إجابة كاملة، لكن المؤكد أن البشرية لن تستطيع بناء مستقبل أكثر استقرارًا دون خطاب جديد يعيد الاعتبار للإنسان باعتباره القيمة الأعلى.

ومن هنا تبدو مشاركة مؤسسة رسالة السلام العالمية في أسبوع أفريقيا 2026 أكثر من مجرد حضور ثقافي، بل محاولة لتأكيد أن العالم العربي لا يزال قادرًا على تقديم رسائل فكرية وإنسانية تفتح أبواب الحوار والتفاهم، وتعيد التذكير بأن السلام الحقيقي يبدأ دائمًا من الكلمة والفكرة واحترام الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى