كتابنا

العلاقات العمانية ـ المصرية وأهمية مصر الاستراتيجية

العلاقات العربيَّة ـ المصريَّة طوال التاريخ تمثِّل الجسر المتين والدرع الحصين الذي تتحصن به الأُمَّة العربيَّة، وكلما كانت تلك العلاقات متميزة وقويَّة كانت الأُمَّة العربيَّة صلبة وصامدة في مختلف العصور.

لقد كتبت الأقدار أن تتحمل مصر أمانة تاريخيَّة تجاه هذه الأُمَّة، فكانت على الوعد الذي تكفلت به في كل محطات التاريخ، وليس غريبًا على مصر العظيمة أُم الحضارات وسليلة التاريخ وأرض الكرامات أن تضطلع بهذه الأمانة التاريخيَّة؛ فهي الشقيقة الكبرى للأقطار العربيَّة، وهي البلد الذي ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز في مواضع كثيرة، ما يعزز من رصيدها الكبير الذي تزخر به. إذًا نحن أمام بلد ارتبط اسمه بالأرض والسماء، وسار على أرضه الرسل والأنبياء، نعم نحن نقف في حضرة بلاد عظيمة.

استحقت مصر تلك المكانة والشرف فلجأ إليها أبناء الأُمَّة العربيَّة في مختلف صروف الدهر؛ فهي البلد الطيب الذي ارتبط به أبناء الأُمَّة العربيَّة من المحيط إلى الخليج، وهي بلد النيل والتاريخ والحضارة، وهي بلد النبوءات والثقافات والفتوحات، فقد قدمت للعالم مخزونًا عظيمًا من الآثار لا يتوافر لأي بلد في العالم، بل إن موقع مصر الجغرافي أتاح لها أن تتحاور مع حضارات بشريَّة متعددة، فاستطابت الأمم الإقامة والعيش بأرضها، وذكرها الله في كتابه العزيز في مواضع عدة، وكل تلك الآيات الصريحة في ذكر مصر تعَد تكريمًا إلهيًّا عظيمًا لم يحظَ به أي بلد على وجه الأرض. وهذا التكريم لم يأتِ مصادفة، بل لمكانة مصر في الأرض وفي السماء، وعندما جاء الإسلام تشرفت مصر بأن حملت لواء هذا الدِّين الحنيف، فكانت سندًا للأُمَّة العربيَّة والإسلاميَّة، ومخزونًا بشريًّا حقق المعجزات في مختلف العصور.

لقد خرج من أرض مصر جيوش الفاتحين، وانبرى أجناد مصر في الدفاع عن الأُمَّة العربيَّة والإسلاميَّة فتصدت للحملات الصليبيَّة، ومعركة حطين وتحرير بيت المقدس عام ١١٨٧م خير شاهد على ذلك، وكذلك انتهت أسطورة التتار في معركة عين جالوت ١٢٦٠م على أيدي خير أجناد الأرض الجيش المصري العظيم، فما أعظم تلك المشاهد التي تصدرت لها مصر طوال التاريخ فكانت مصر عظيمة طوال التاريخ، فهي أُمُّ الدنيا وأرض الكنانة وهبة النيل وأسماء كثيرة عززت مكانتها التاريخيَّة، وما أحوج العرب إلى استدراك تلك الحقائق التاريخيَّة التي تعبِّر عن مكانة مصر في الضمير والوجدان العربي والواقع الملموس.

سلطنة عُمان ترتبط بمصر العزيزة ارتباطًا استثنائيًّا فريدًا، حيث تعرف الحضارات بعضها، وحوار الحضارات في الماضي يصوغه الحاضر بأحرف من نور ويترجمه بعلاقات فريدة، وهي علاقات نموذجيَّة لم تغيرها التحولات السياسيَّة، بل زادتها رباطة وقوة. وتذكر المصادر التاريخيَّة أن التواصل الحضاري للفراعنة القدماء مع عُمان كان قائمًا في عهود قديمة أي قبل ما يقرب من ٣٥٠٠ عام عندما كانت حضارة الفراعنة تجلب اللبان العُماني من مدينة ظفار التاريخيَّة وكان ميناء البليد «مرفأ» للأسطول الفرعوني، وقد زارت الملكة حتشبسوت ظفار العُمانيَّة كما تشير تلك المصادر، حيث كان الفراعنة يستخدمون اللبان العُماني في تعطير المعابد والتحنيط وفي الطقوس الدينيَّة، وقد سجل هذا المنتج العُماني في سجلات اليونسكو ضمن عدد من الرموز العُمانيَّة الأخرى كموقع آثار البليد وقلعة بهلا وغيرها من المآثر الإنسانيَّة. وإذا انتقلنا إلى العصر الحديث يشار إلى موقف العُمانيين من الحملة الفرنسيَّة على مصر عام ١٧٩٨م، حيث أعلن السيد سلطان بن أحمد سلطان عُمان آنذاك استياءه من هذه الحملة، وأوقف المفاوضات الفرنسيَّة العُمانيَّة التي كانت تمهد لعقد معاهدة تعاون ملاحي بحري بين الدولتين، وأعلن احتجاجه الرسمي على اعتداء فرنسا على دولة عربيَّة مسلمة، كما شارك سلطان عُمان في مراسم افتتاح قناة السويس عام ١٨٦٩م، فقد كانت العلاقات العُمانيَّة المصريَّة علاقات يسودها كثير من الاحترام والتعاون المتبادل بين امبراطوريَّة عُمان حينها وامبراطوريَّة مصر العظيمة. وعندما حدث العدوان الثلاثي على مصر أعلنت عُمان تأييدها الكامل لمصر وانفجرت مشاعر الغضب لدى العُمانيين، وتميزت تلك العلاقات بشكل مطَّرد بين البلدين، فأطلق السُّلطان قابوس ـ طيَّب الله ثراه ـ مبادرة تاريخيَّة حينما أصدر مرسومًا بالتبرع بربع رواتب الموظفين لدعم جبهات القتال في حرب أكتوبر ١٩٧٣م المجيدة، وأرسلت السلطنة بعثتين طبيتين إلى مصر، وأوقفت تصدير البترول كما هو معلن في الصحافة العُمانيَّة. وما زال أرشيف الوثائق والمحفوظات العُمانيَّة يحتفظ بنسخ من تلك الأخبار والمواقف العُمانيَّة، كما كان لسلطنة عُمان موقف مستقل بعدم قطع العلاقات مع مصر أعقاب توقيع اتفاقيَّة كامب ديفيد، ورأت السلطنة أن قطع العلاقات بين العرب ومصر ليس حلًّا، بل إنه فرصة للأعداء لتكريس سياسة «فرق تسد»، فأعلن السُّلطان قابوس ـ رحمه الله ـ أن مصر لا تُقاطَع ولا تُعزَل، واستمرت العلاقات العُمانيَّة المصريَّة على أكمل وجه، بل إن السلطنة أسهمت بعودة العرب إلى مصر وعودة مصر إلى الحضن العربي، وفي حادثة المنصة الـ(٦) من أكتوبر ١٩٨١م التي قتل فيها الرئيس السادات كان من بين الشهداء ضابط عُماني كبير كان من ضمن الحضور.

واستمرت العلاقات العُمانيَّة المصريَّة كنموذج للعلاقات العربيَّة ـ العربيَّة في كل عهود رؤساء مصر، ففي خطاب العيد الوطني الرابع عشر أعلن السُّلطان قابوس ـ غفر الله له ـ في خطابه: «إنَّ مصر عنصر الأساس في بناء الكيان والصف العربي، ولم تتوانَ يومًا في الدفاع عن قضايا العرب، وإنها لجديرة بكل تقدير…».

لا شك أن العلاقات العُمانيَّة ـ المصريَّة اليوم، وفي كل العهود، تتميز باستثنائيَّة فريدة لإدراك سلطنة عُمان ما تمثِّله مصر على خريطة الجغرافيا العربيَّة وأهميَّتها الجيوسياسيَّة وثقلها الكبير؛ لذا تستمر العلاقات العُمانيَّة ـ المصريَّة في حالة تقدميَّة تتوج من خلال لقاء القيادات السياسيَّة في البلدين الشقيقين. حفظ الله عُمان ومصر وبقيَّة أقطار أُمَّتنا العربيَّة والإسلاميَّة، ونسأله تعالى أن يحقق ما تصبو إليه أُمَّتنا من آمال وطموحات في بناء مشروع عربي يقوم على التكامل العربي، ويعزز العمل العربي المشترك، والله ولي التوفيق والسداد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى