حوارات و تقارير

من العصور الوسطى إلى الحرب الباردة… أسرار مدفونة تكشف وجها آخر لقلاع إنجلترا

تحت الحجارة الباردة التي تراكمت فوقها قرون طويلة من التاريخ، لا تظهر اقدم قلاع انجلترا كمجرد مبان صامتة، بل تكشف عن طبقات متراكمة من الزمن تختبئ في الاعماق وتنتظر من يزيح عنها الستار، فبين الجدران التي عاشت عصور الملوك والحروب والتحولات السياسية، تختبئ قصص لم تعد مرئية على السطح لكنها ما زالت حاضرة تحت الارض، شاهدة على اكثر من 900 عام من التغيرات، ومع كل عملية حفر او استكشاف يتضح ان هذه القلاع لم تكن مجرد هياكل حجرية، بل مواقع معقدة اعاد الناس تشكيلها واستخدامها عبر قرون طويلة من العصور الوسطى وحتى فترات اقرب مما يتخيله الزائر.

أسرار مدفونة تكشف وجها آخر لقلاع إنجلترا

لم تتوقف المفاجآت عند الطبقات التاريخية القديمة، بل امتدت لتكشف عن سر غير متوقع يعود الى القرن العشرين، حيث اظهرت اعمال الحفر بقايا منشأة سرية مدفونة تحت احدى القلاع، تعود الى زمن الحرب الباردة، وقد شيد هذا الموقع عام 1963 كجزء من شبكة واسعة انشأها فيلق المراقبة الملكي في بريطانيا بهدف متابعة اي انفجارات نووية محتملة ورصد تأثيراتها في حال وقوع كارثة.

اظهرت التحقيقات ان موقع القلعة لم يكن استخدامه حديثا، بل استغل كنقطة مراقبة استراتيجية عبر عصور مختلفة، بداية من العصر الروماني مرورا بالعصور الوسطى وصولا الى القرن العشرين، وهو ما يفسر استمرار اهميته عبر الزمن، وخلال فترة الحرب الباردة وحدها ضمت بريطانيا اكثر من 1500 موقع مراقبة، وعمل داخلها نحو 20 الف متطوع تولوا مهمة رصد الانفجارات النووية وتقييم تأثيرها على البلاد.

اما المخبأ الذي عثر عليه تحت قلعة سكاربورو، فقد استخدم لفترة قصيرة لم تتجاوز خمس سنوات، قبل ان يغلق ويدفن عام 1968، ليختفي موقعه الدقيق مع مرور السنوات، رغم استمرار القلعة كواحد من ابرز المعالم التاريخية حتى اليوم.

اشار الباحث كيفن بوث من هيئة التراث الانجليزي الى ان اختيار هذا الموقع لم يأت بشكل عشوائي، بل اعتمد على تاريخه الطويل كموقع مراقبة طبيعي امتد لآلاف السنين، ما جعله نقطة مثالية لمثل هذا النوع من المنشآت.

تمكنت الفرق البحثية من تحديد موقع المخبأ من خلال الاعتماد على السجلات التاريخية الى جانب تقنيات المسح الجيوفيزيائي الحديثة، ثم بدأت اعمال الحفر التي وصلت الى المدخل خلال يومين فقط، وبعد فتح الطريق الى الداخل ادخلت كاميرات لتصوير المكان، فكشفت عن مساحة مغلقة لكنها بحالة جيدة، وهو ما شجع على استكمال عمليات الاستكشاف.

جاء التصميم الداخلي للمخبأ متوافقا مع نمط ملاجئ المراقبة في تلك الفترة، حيث ضم غرفة تحكم لمتابعة البيانات، ومناطق مخصصة للاتصال، الى جانب اماكن نوم بسيطة عرفت باسم سرير التناوب، حيث تبادل العاملون استخدامها في اوقات مختلفة، وصمم المكان ليعمل بشكل مستقل تماما دون نوافذ، مع نظام لتنقية الهواء وامدادات مياه تكفي لنحو ثلاثين يوما، بالاضافة الى نظام صرف صحي داخلي يضمن استمرار العمل في الظروف الصعبة.

يرى الباحثون ان هذا الاكتشاف يضيف فصلا جديدا الى تاريخ قلعة سكاربورو، ويكشف كيف استمر استخدام هذا الموقع عبر آلاف السنين كمكان للمراقبة والتطلع الى الافق، بداية من العصور القديمة وحتى اكثر فترات القرن العشرين توترا، وهكذا تظهر طبقة جديدة من التاريخ تحت الارض تربط بين الماضي البعيد وزمن الحرب الباردة في قصة واحدة تمتد عبر الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى