محمد ابراهيم الشقيفي يكتب :فى المقام الأول إنسان من كتاب شخصيات مؤثرة
قبل الإبحار بين أمواج الحديث الشيق والرائع عن بعض التفاصيل الحياتية لتلك الشخصية الأسطورية فى مجال الطب البشري، لا بد من الإمساك بريشة ذي ملمس ناعم. ومحبرة من مداد خاص، ورقاقة من جلد الغزال يكتب عليها فى مستهل الكلام البروفيسور العلامة. ورغم أن صاحبها قد بزغ نجمه في الآفاق، وبلغ العلا بالجهد دون نفاق، وصل فى مجال الطب المتعلق بالنساء والتوليد إلى قمة الشهرة. رافعاً بيده راية العلم والبحث دون استسلام .
لم يقف حائراً مكتوف اليدين أمام أى حالة حرجة، أو مستعصية فى مجاله المهنى. رغم قلة الإمكانيات المتاحة فى عهده كان مبتكرا فى مجال البحث العلمي والمهني محدثاً طفرة لا يستهان بها. مع كل هذا وذاك إلا أنه فى المقام الأول إنسان يتمتع بالشخصية السوية التي لا تحمل فى مرآة الحياة أى ضغينة لأحد.
فقد عاش ومات فى كنف هذا العالم الصغير. مكافح بدرجة ممتاز أحرز فى شباك العلم هدفا نظيفا ألاو هو خدمة المجتمع، وتكريس كل أدواته فى خدمة المجال الطبي دون أن يبخل عليه. لم يستغل مرضاه، ولا منصبه السياسى فى الإتجار بأحلام البشر. بل كان هين الحديث لين القول بشوش الوجه عذب الكلام.
أريد أن أسترسل ثم أسرد جزء من حياة ذاك الطبيب الماهر، الذى ولد عام ١٩٣٦، وبدأ رحلة كفاحه فى طلب العلم من مطلع المهد إلى أن تدرج صاعدا فى جهد وعناء سلم المجد حتى بلغ قمة الجبل الأخضر، شغل الطبيب المخضرم منصباً علمياً مرموقاً فى إحدى أعرق الجامعات المصرية. وصل إلى درجة الأستاذية ، ومكنته أبحاثه العلمية إلى أن صار بكل جدارة رئيسا لأقسام أمراض النساء والولادة، بكلية طب جامعة عين شمس، ثم تقلد هذا البروفيسور والاستشارى المصرى الكبير عدة مناصب هامة حتى جلس يتربع دون منازع على كرسي نائب رئيس إتحاد الأطباء العرب. لقد جعلنا مرفوعين الرأس،؛ نفخر به بعد رحيله عن عالمنا المعاصر فى الرابع من مارس عام ألفين وإحدى وعشرين من القرن الحالي.
إنه السياسي الرائع ابن قرية ابوصير مركز البدرشين محافظة الجيزة الذى شارك فى العمل البرلماني منذ عام ٢٠٠٠ حتى عام ٢٠٠٥، وفى الدورة التكميلية منذ عام ٢٠٠٨ إلى ٢٠١٠، وقد ساهم بكل طاقته فى العمل الخدمي متفاعلا من أبناء دائرته الانتخابية بمركز البدرشين، وساهم ببصمة قوية وواضحة خاصة في المجال التعليمي والصحي،. ومن ضمن قائمة إسهاماته البناءة بمجال التربية والتعليم فى أكثر من قرية قدم خدمات متنوعة جليلة فى رصيده الخيرى إلى الآن. فقد وضع حجر الأساس للكثير من المشروعات الخدمية، والتنموية والاجتماعية، الخيرية. ومن محاسنه فى مسقط رأسه بقرية أبوصير، وغيرها من البلاد المجاورة. لقد تبرع بأكثر من قطعة أرض للأبنية التعليمية شيدت عليها عدة مدارس حفرت على جدرانها إسم الدكتور خليل اللمعي. إنه رجل المبادئ التى لا تتجزأ. وفى إطلالة سريعة حول شخصية هذا العالم لوجدناه إنسانا رائعا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لقد انتخب الطبيب المصري رئيسا للجمعية المصرية للنساء والولادة ومن شدة كفائته ونبوغه عمل أمينا للجنة ترقية الأساتذة بالمجلس الأعلى للجامعات المصرية. لقد تحدثت عنه الصحف العالمية بلغات مختلفة مما أثار حفيظة إعجابي الأدبية بشخصية هذا الرجل الذى حصد الجوائز، وتقلد المناصب الراقية وهو في قمة التواضع.
لقد عاصرت هذا المبدع عن قرب وأنا طالب بالجامعة بعض انجازات هذا الطبيب الماهر الذى قام بإجراء أكثر من أربعين بحثا في مجال أمراض النساء نشر بعضها في الدوريات العلمية والمجلات العالمية، له بعض الجراحات المبتكرة مدونة بإسمه. من المؤسف حقاً أن نجهل قدر هذا المفكر والعالم الطبيب الذى أشرف على ثمانين رسالة ماجستير و دكتوراه. حقا بلا مراوغة شرف مصر في عديد من المؤتمرات الدولية.
له سيرة حافلة بركاب العلم، شخصية متواضعة بكل المقاييس: إنه الأستاذ الدكتور (خليل اسماعيل اللمعى) الذى تم اختياره
فى الموسوعة القومية لهيئة الاستعلامات ضمن الشخصيات المؤثرة في الحياة المصرية، وهو أول طبيب وعالم مصرى حصل على زمالة الجمعية العالمية للأورام ١٩٩٥. كيف نجهل قدر هذا العالم؟ الحاصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام ١٩٨٠منذ مايقرب من نصف قرن، دون أن تكون هناك كل هذه الإمكانيات المتاحة في العصر الحديث.
وبعيد عن كل هذا وذاك ورغم سجله الحافل بالإنجازات إلا أنه رغم شهرته الشاردة في الآفاق لم نعطيه ما يستحقه. رجل السياسة، وعضو البرلمان الذى ساهم بل وأسس على نفقته الخاصة وعلى ملكيته صرحاً شامخ للتعليم. يظل نبراسا ونوراً له إلى يوم الدين، ليبقى فى نفوسنا حب خالص يشبه الماء العذب واللبن الخالص. هذا الرجل المعطاء لبلده دون إمساك عشنا معه فترة من رغد وسخاء. كان ذا فضل على شخصى وعلى الكثير ممن يذكرونه حتى اللحظة بكل خير. رحم الله
طيب القلب الغائب عنا بجسده، الباقى بيننا بعمله، وروحه الطاهرة، وذكراه العطرة التى تشبه بستان العطر، وعبير الورود
ونقاء الياسمين.
رمز العطاء والوفاء المنفق على دروب الخير بسخاء .




