اللواء أحمد فؤاد صادق.. الضابط الذي تحدى الاحتلال ورفض الانسحاب من غزة
أسماء صبحي – في صفحات التاريخ العسكري المصري يبرز اسم اللواء أحمد فؤاد صادق كأحد القادة الذين ارتبطت سيرتهم بالمواقف الحاسمة والقرارات الجريئة. فلم يكن مجرد قائد عسكري في حرب 1948، بل كان ضابطًا واجه النفوذ البريطاني في أصعب لحظاته. وتعرض للاعتقال والفصل بسبب مواقفه قبل أن يعود إلى ساحة القتال ليقود القوات المصرية في واحدة من أكثر مراحل الحرب تعقيدًا.
تمرد اللواء أحمد فؤاد صادق
مع تصاعد التدخل البريطاني في الشأن المصري خاصة خلال حادث 4 فبراير 1942 حين أجبر الملك فاروق على تكليف مصطفى النحاس بتشكيل الحكومة تحت ضغط الدبابات البريطانية، وشهد الجيش المصري حالة تململ واضحة. وكان أحمد فؤاد صادق أحد ثلاثة ضباط قادوا هذا الغضب داخل المؤسسة العسكرية اعتراضًا على ما اعتبروه إهانة للسيادة الوطنية.
إلى جانبه وقف الأميرالاي حمدي طاهر والأميرالاي محمد كامل الرحماني، لكن صادق والرحماني كانا الأكثر صلابة في موقفهما. ورغم أن الملك فاروق أبدى رغبة في محاكمتهما فإن الحكومة آنذاك رفضت ذلك. وانتهى الأمر بفصلهما من الخدمة العسكرية وإحالتهما إلى الاستيداع ثم اعتقالهما دون تحقيق رسمي.
بقيا الضابطان في الاعتقال نحو 23 شهرًا دون راتب في ظروف قاسية، حتى تدهورت الحالة الصحية للرحماني وأضرب عن الطعام احتجاجًا. وقد شكلت تلك الإجراءات واحدة من أبرز الأزمات بين الحكومة وبعض قيادات الجيش، في وقت كانت فيه البلاد تعيش توترًا سياسيًا شديدًا تحت وطأة الاحتلال.
من الإقصاء إلى قيادة الحرب في 1948
رغم ما تعرض له من فصل واعتقال، عاد أحمد فؤاد صادق إلى الواجهة العسكرية خلال حرب 1948. وبعد الإخفاقات التي لحقت بالقوات المصرية في معارك النكبة، تم عزل اللواء أحمد المواوي ليكلف صادق بقيادة القوات المصرية في مرحلة شديدة الحساسية من الصراع.
كانت الجبهة الجنوبية تعاني من تراجع وتفكك في التنسيق، في وقت استغلت فيه القوات الإسرائيلية انسحاب بعض الجيوش العربية لتحقيق تقدم سريع. وتمكنت القوات الإسرائيلية في ديسمبر 1948 من احتلال مرتفعات استراتيجية منها الشيخ نوران وتل حجة وتل الفارعة. ثم سيطرت على التبة 86 في خطوة هددت طريق غزة الرئيسي وخط السكك الحديدية الحيوي.
رفض الانسحاب من غزة
مع تدهور الموقف الميداني، صدرت أوامر من وزير الحربية بإخلاء غزة والانسحاب إلى رفح. لكن اللواء أحمد فؤاد صادق اتخذ موقفًا مختلفًا تمامًا رافضًا تنفيذ قرار الانسحاب.
اعتبر صادق أن الانسحاب يعني ترك مئات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين لمصير مجهول. ورأى أن واجبه العسكري والأخلاقي يفرض عليه الصمود والدفاع مهما كانت الكلفة. لم يكتفي بالرفض، بل قرر التحرك لاستعادة التبة 86 التي كانت قد سقطت بأيدي القوات الإسرائيلية.
في عملية عسكرية جريئة، نجحت القوات المصرية تحت قيادته في استعادة الموقع الاستراتيجي مكبدة خصومها خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات. شكلت هذه العملية واحدة من أبرز لحظات المقاومة المصرية في تلك الحرب. وأعادت بعض التوازن إلى جبهة كانت توشك على الانهيار.
اسم مطروح لقيادة ثورة يوليو
لم يتوقف حضور اللواء أحمد فؤاد صادق عند ساحات القتال. فوفقًا لما تذكره بعض الوثائق المرتبطة بثورة 23 يوليو 1952، كان اسمه من بين الأسماء التي طرحت لقيادة الحركة التي خطط لها الضباط الأحرار. وغير أنه اعتذر عن تولي هذا الدور لأسباب خاصة ليفتح الطريق أمام اختيار اللواء محمد نجيب ليكون الواجهة العسكرية للثورة وأول رئيس للجمهورية بعد نجاحها.
سيرة قائد بين السياسة والمعركة
تكشف سيرة اللواء أحمد فؤاد صادق عن نموذج لضابط جمع بين الجرأة السياسية والصلابة العسكرية. وتحدى النفوذ البريطاني في الأربعينيات ودفع ثمن مواقفه إقصاءً واعتقالًا. ثم عاد ليقود القوات المصرية في واحدة من أكثر لحظات تاريخها العسكري صعوبة.
ورغم الجدل الذي أحاط ببعض محطات حياته، فإن اسمه ظل مرتبطًا بموقفين فارقين: رفض التدخل الأجنبي في شؤون بلاده ورفض التخلي عن غزة في لحظة مصيرية. وبين هذين الموقفين تتشكل صورة قائد رأى في العسكرية شرفًا ومسؤولية لا مجرد رتبة أو منصب. جاء ذلك نقلًا عن المقاتل محمد السيد حجازى أحد أبطال سلاح المهندسين العسكريين فى حرب أكتوبر المجيدة.



