العاشر من رمضان.. يوم توقف عنده التاريخ العسكري وانكسرت أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”
أسماء صبحي – سوف يظل يوم السادس من أكتوبر 1973 الذي وافق العاشر من رمضان 1393 هجريًا، محطة فارقة يتوقف أمامها التاريخ العسكري طويلًا بالفحص والدراسة. ففي ساعات قليلة تمكنت القوات المسلحة المصرية من اقتحام واحد من أعقد الموانع الطبيعية والعسكرية في العالم. فعبرت قناة السويس واجتازت خط بارليف الحصين وأقامت رؤوس جسور قوية على الضفة الشرقية. لتبدأ مرحلة جديدة هدمت نظرية الأمن الإسرائيلي وبددت أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”.
ذلك اليوم لم يكن مجرد معركة عابرة، بل كان إعلانًا صريحًا عن عودة الإرادة المصرية. وكسرًا لحالة الجمود السياسي والعسكري التي أعقبت نكسة 1967، وبداية لتحرير الأرض واستعادة الكرامة.
لحظة الصفر يوم العاشر من رمضان
عند الساعة الثانية ظهرًا من يوم 6 أكتوبر 1973، انطلقت شرارة الهجوم المصري بتمهيد جوي ومدفعي كثيف استهدف مواقع وخطوط الدفاع الإسرائيلية شرق القناة. في وقت واحد، فتحت المدفعية المصرية نيرانها المركزة، بينما أقلعت الطائرات لضرب الأهداف الحيوية ومراكز القيادة. في عملية منسقة أربكت العدو وأفقدته توازنه منذ اللحظات الأولى.
حملت العملية اسم “خطة بدر” وكان هدفها الأساسي عبور قناة السويس، وتحطيم خط بارليف. ذلك الحاجز الدفاعي الذي طالما روجت إسرائيل لاستحالته باعتباره خطًا منيعًا لا يمكن اختراقه.
تحطيم خط بارليف
لم يكن خط بارليف مجرد ساتر ترابي، بل منظومة دفاعية متكاملة تضم تحصينات خرسانية، ونقاطًا قوية، ومواقع مدفعية، وأنظمة إنذار متقدمة. غير أن قوات المهندسين المصريين قدمت نموذجًا فريدًا في الابتكار العسكري. حين استخدمت مضخات المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي خلال ساعات ممهدة الطريق لعبور المشاة والمركبات.
تدفقت موجات العبور الأولى من الجنود عبر القوارب المطاطية رافعين العلم المصري على الضفة الشرقية. بينما كانت وحدات أخرى تثبّت أقدامها في المواقع المحررة. وفي مشهد مهيب، تحولت الضفة الشرقية من رمز للاحتلال إلى ساحة تقدم مصري منظم أربك الحسابات الإسرائيلية وهدم نظرية التفوق المطلق.
رؤوس الكباري
لم تتوقف العملية عند العبور، بل كان التحدي الأكبر في تثبيت رؤوس الجسور وتأمينها ضد الهجمات المضادة. ونجحت القوات المصرية في إقامة عدة رؤوس كباري قوية على امتداد الجبهة، مما سمح بعبور الدبابات والمدرعات والمعدات الثقيلة.
وحاولت القوات الإسرائيلية شن هجمات مضادة لاستعادة زمام المبادرة. إلا أن الدفاعات المصرية المتماسكة والتخطيط الدقيق أسفرا عن صد هذه الهجمات وتدمير عدد كبير من الآليات المعادية. وخلال الأيام الأولى أثبتت المرحلة الافتتاحية للحرب أن عنصر المفاجأة وحسن الإعداد كانا حاسمين في ترجيح كفة المعركة.
حرب على جبهتين
لم تكن المعركة مصرية فقط، إذ شهدت الجبهة السورية في التوقيت نفسه عمليات عسكرية متزامنة على هضبة الجولان. وحول هذا التزامن الأيام الأولى إلى مواجهة إقليمية واسعة عرفت عالميًا باسم “حرب يوم الغفران”.
وكان التنسيق بين الجبهتين عنصرًا مهمًا في تشتيت القدرات الإسرائيلية وإجبارها على القتال في أكثر من اتجاه. مما عمق تأثير الضربة الأولى وأربك مراكز القرار العسكري لدى العدو.
من الميدان إلى السياسة
مع تطور العمليات العسكرية، دخلت الحرب مرحلة جديدة اتسمت بتعقيدات ميدانية وضغوط دولية متزايدة. وفي 22 أكتوبر 1973، صدر قرار مجلس الأمن رقم 338 بوقف إطلاق النار. لتبدأ مرحلة التحرك السياسي التي استندت إلى ما تحقق على الأرض من إنجاز عسكري.
وبرغم التحولات اللاحقة في مسار المعارك، فإن الأيام الأولى للحرب وخاصة عملية العبور وتدمير خط بارليف، بقيت الحدث الأبرز الذي أعاد صياغة معادلات الصراع. وأثبت أن التفوق العسكري ليس قدرًا ثابتًا بل نتيجة للإرادة والتخطيط والاستعداد.
عندما قهرنا “الجيش الذي لا يقهر”
لقد مثل العاشر من رمضان لحظة استعادة ثقة أمة بأكملها في نفسها وجيشها. ففي ساعات قليلة، تحولت الضفة الشرقية للقناة من جدار صد إلى بوابة عبور. وسقطت أسطورة طالما روج لها ليحل محلها واقع جديد عنوانه أن الإرادة المصرية قادرة على صنع المعجزات.
سوف يظل السادس من أكتوبر 1973 يومًا تتوارثه الأجيال. لا بوصفه ذكرى حرب فقط، بل باعتباره درسًا خالدًا في أن التخطيط المحكم، والروح المعنوية العالية، والتضحية الصادقة، يمكنها أن تغير مجرى التاريخ. جاء ذلك نقلًا عن المقاتل محمد السيد حجازى أحد أبطال سلاح المهندسين العسكريين فى حرب أكتوبر المجيدة.



