بيبي الثاني ملك العمر الطويل حين تحكم الصبي فسقطت الدولة
عاش الملك بيبي الثاني نفر كا رع واحدة من أكثر الحقب غرابة في تاريخ مصر القديمة، إذ ارتبط اسمه بأطول فترة حكم عرفتها البلاد، وبمرحلة اتسمت بالاضطراب السياسي وضعف السلطة المركزية، حتى أصبحت سنوات حكمه الطويلة عنوانا للتراجع والانقسام أكثر من كونها رمزا للاستقرار.
من هو بيبي الثاني
ينتمي بيبي الثاني إلى الأسرة السادسة في عصر الدولة القديمة، وبدأ حكمه قرابة عام 2278 قبل الميلاد، بعدما اعتلى العرش طفلا في السادسة من عمره خلفا لأخيه المتوفى. وبسبب صغر سنه، تولت والدته الوصاية عليه في سنواته الأولى، بينما كان لخاله الأمير جاو النفوذ الأكبر في إدارة شؤون البلاد وتسيير الحكم.
تشير مصادر تاريخية عدة إلى أن بيبي الثاني جلس على عرش مصر مدة تصل إلى 94 عاما، ليصبح بذلك صاحب أطول فترة حكم في تاريخ مصر القديم والحديث. غير أن بعض علماء الآثار يشككون في هذا الرقم، ويرجحون أن مدة حكمه الفعلية لم تتجاوز 64 عاما، ومع ذلك يبقى الجدل قائما حول طول فترة حكمه، دون أن يغير ذلك من حقيقة أنه حكم مصر زمنا طويلا بصورة استثنائية.
ورغم هذا الامتداد الزمني، لم يتمكن الملك من فرض سيطرته الكاملة على البلاد، إذ تميزت سنوات حكمه بضعف سلطة الفرعون وتصاعد نفوذ حكام الأقاليم. وكان الملك مستضعفا منذ اللحظة الأولى لتوليه العرش، وهو ما انعكس على قدرة الدولة على ضبط شؤونها الداخلية والحفاظ على تماسكها السياسي.
ومن أكثر القصص غرابة التي ارتبطت باسم بيبي الثاني، كراهيته الشديدة للذباب. فقد ابتكر وسيلة غير مألوفة لإبعاده عنه، إذ أمر عبيده بتغطية أجسادهم بالعسل حتى يتجمع الذباب حولهم وينصرف بعيدا عنه. ويكشف هذا التصرف عن جانب قاس من شخصيته، إذ أخضع عبيده لمعاناة نفسية وجسدية يومية، رغم أن الذباب لم يكن ينظر إليه في الثقافة المصرية القديمة باعتباره حشرة مكروهة.
على العكس من ذلك، اعتبر المصريون القدماء الذباب رمزا للمثابرة وسرعة الحركة، ومنحوا الجنود المتميزين في ساحات القتال أوسمة على شكل ذباب ذهبي. كما صنعوا تمائم وقلادات على هيئة الذباب من الذهب والفضة والعظام واللازورد والعقيق والجمشت، وعثر علماء الآثار على عدد كبير من هذه القلادات في مقبرة الملكة أحوتب.
لم تتوقف غرائب الملك عند هذا الحد، بل امتدت إلى هوسه بالأقزام. وتكشف رسالة محفوظة كتبها بيبي الثاني إلى حرخوف، حاكم أسوان وقائد إحدى بعثاته إلى النوبة، عن اهتمام مبالغ فيه بإحضار الأقزام إلى القصر الملكي بغرض التسلية. وتوضح الرسالة أن الملك أمر حرخوف بالقبض على قزم وإحضاره حيا وبصحة جيدة لإدخال السرور إلى قلبه.
وشدد الملك في رسالته على ضرورة حراسة القزم بعناية فائقة أثناء الرحلة، وتعيين أشخاص موثوقين لمرافقته ليل نهار، والتأكد من سلامته عشر مرات في الليلة الواحدة. وأبدى الملك رغبة شديدة في رؤيته، مؤكدا أنه يريده أكثر من كل خيرات سيناء، ووعد حرخوف بمكافآت عظيمة له ولأبنائه إذا وصل القزم سالما.
ويرجح بعض الباحثين أن هذه الرسالة تعود إلى سنوات حكم الملك الأولى، عندما كان لا يزال طفلا، لما تحمله من دلالات على عدم النضج والاندفاع الطفولي.
ورث بيبي الثاني دولة تعاني بالفعل من الوهن والتفكك، وجاء صغر سنه ليزيد الوضع سوءا. ورغم ارتباط اسمه بحملات عسكرية متعددة أرسلها إلى الجنوب بقيادة حكام إلفنتين في أسوان، فإن هذه الحملات لم تنجح في إنقاذ حكمه من الانهيار التدريجي.
كانت مصر في تلك المرحلة بحاجة إلى ملك قوي قادر على كبح أطماع حكام الأقاليم، الذين بدأوا يتصرفون باستقلالية متزايدة ويجمعون الثروة والنفوذ على حساب الرعية. غير أن هذه الصفات لم تتوافر في الملك بيبي الثاني، فانتشرت الفوضى وتراجع الولاء للعرش، ولم يستطع الملك وضع حد لجشع الحكام أو إعادة فرض هيبة الدولة.
وبرغم طول فترة حكمه، لم تحقق الأسرة السادسة الاستقرار المنشود، إذ لم تصمد طويلا بعد وفاته. فقد ترك بيبي الثاني لورثته دولة منهكة، تقف على حافة الانهيار السياسي والإداري.
ويعد بيبي الثاني من الملوك القلائل الذين صورتهم النصوص الأدبية بصورة سلبية، خاصة في القصة الشهيرة التي جمعته بالقائد العسكري ساسينيت. فقد كان ساسينيت قائدا بارزا ومقربا من الملك، وتولى قيادة الحملات العسكرية ومستشارا له في شؤون الحكم.
تشير بعض النصوص إلى علاقة خاصة جمعت بين الملك وقائده، إذ كان الملك يزور منزل ساسينيت ليلا دون حراسة، ويقضيان وقتا طويلا معا. ووصف ساسينيت في هذه النصوص بأنه من في قلب سيده، في إشارة إلى علاقة حب جمعت الطرفين وفق بعض التفسيرات.
وسواء كانت هذه القصة حقيقية أو مجرد رواية أدبية رمزية كما يرى عدد من علماء المصريات، فإنها تعكس نظرة سلبية واضحة للمثلية الجنسية في المجتمع المصري القديم، إذ اعتبرها فعلا محرما، كما ورد في نصوص دينية مثل كتاب الموتى.



