تاريخ ومزارات

تاريخ كنيستي 210..سنوات النار والجزية صراع القبائل العربية ومعاناة الأقباط في زمن المأمون

في تاريخ الأقباط القديم والحديث، كثيرا ما تحمل الأقباط أثمانا باهظة خلال فترات الاضطراب السياسي التي شهدتها مصر، ومن أبرز هذه الفترات ما جرى بين عامي 813م و827م، منذ تولي المأمون الخلافة العباسية عقب صراعه الدموي مع أخيه الأمين، وحتى استقرار الأوضاع نسبيا بعد سنوات طويلة من الفوضى،خلال تلك المرحلة، عاشت مصر حالة تمزق سياسي وصراع مرير بين نفوذ القبائل العربية، وكان الأقباط في قلب هذا الصراع، يدفعون ثمنه من أمنهم وأموالهم وأرواحهم.

تاريخ كنيستي 210

ولفهم ما جرى في تلك الحقبة، لا بد من التوقف عند الخريطة القبلية للعرب في مصر آنذاك، حيث انقسم العرب إلى كتلتين قبليتين كبيرتين. الكتلة الأولى هي القبائل القيسية من العرب العدنانية، عرب الشمال، الذين يعود نسبهم إلى إسماعيل بن إبراهيم. دخل هؤلاء مصر على مراحل، بدأت منذ الفتح الإسلامي في عهد عمرو بن العاص، ثم تعزز وجودهم خلال الهجرة الكبرى في زمن الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك عام 747م.

 

استقرت القبائل القيسية في منطقة عرفت باسم الحوف الشرقي، وهي ما يقابل اليوم أجزاء واسعة من محافظة الشرقية، خاصة بلبيس وتينيس ودمياط والفرما. ووجد الأقباط أنفسهم مجبرين على التعايش مع هؤلاء الوافدين الجدد، الذين لم تكن لديهم خبرة بالزراعة، ففرضوا على الأقباط أموالا مقابل الحماية. ومع مرور الوقت، تحول هذا الوجود القسري إلى سيطرة اقتصادية كاملة، إذ استولى القيسيون على الأراضي، وعجز الأقباط عن دفع الجزية، فتم الحجز على أملاكهم واضطروا للتنازل عنها مقابل الحماية والقوت اليومي، ليعملوا بعد ذلك أجراء لدى من كانوا يوما غرباء عن أرضهم.

 

ومع تعاظم نفوذهم، تحولت هذه المنطقة إلى ما يشبه إمارة مستقلة في دلتا مصر، وامتد سلطانهم إلى المنوفية والقليوبية. وكان من أبرز عائلاتهم آل الجرو، الذين لعبوا دورا محوريا في الأحداث. وبسبب سيطرتهم وانتشارهم، انتشرت اللغة العربية سريعا في المدن التي خضعت لهم. وكان زعيمهم في ذلك الوقت عبد العزيز الجروي، الذي امتلك جيشا مسلحا، واستغل ضعف الولاة سياسيا وعسكريا ليبدأ في التمرد على السلطة المركزية.

 

وعلى الجانب الآخر، ظهرت القبائل اليمانية أو القحطانية، التي تعود أصولها إلى اليمن. استقرت هذه القبائل في الفسطاط، نظرا لانتماء عدد كبير منها إلى جيش عمرو بن العاص، خاصة قبيلة المعافر. ومع الزمن، امتد وجودهم إلى القاهرة والصعيد. واعتبر اليمانيون أنفسهم طبقة النخبة والأغنياء، خاصة مع سيطرتهم على مفاصل الحكم، ووجود عدد كبير منهم في الجيش. وكان زعيمهم في تلك المرحلة السري بن الحكم.

 

نشأ صراع دائم بين القيسية واليمانية، حيث سيطرت القبائل القيسية غالبا على الموارد الحيوية وطرق التجارة المؤدية إلى الإسكندرية، بينما احتكر اليمانيون مقاليد الحكم والإدارة. وفي ظل هذا الانقسام، أرسل المأمون عام 813م عبد المطلب الخزاعي واليا على مصر في محاولة لإعادة السيطرة.

 

لكن الأمور لم تستقر، ففي عام 815م قاد السري بن الحكم تمردا عسكريا ضد الخزاعي بسبب تأخر رواتب الجنود. ونجح في طرده من دار الولاية، واستولى على الحكم، لكنه اصطدم بقبائل القيسية بقيادة عبد العزيز الجروي. ورغم ذلك، اضطر المأمون للاعتراف به واليا على مصر، وألحق به ابنيه أبو نفر وعبيد الله لضمان الاستقرار، خاصة أن الجيش كان يسانده. إلا أن السري بن الحكم تعامل مع مصر كولاية مستقلة عن الخلافة.

 

قام ابن السري بتعيين موظفين للضرائب والجزية اتسموا بالقسوة الشديدة، ورفعوا الضرائب إلى مستويات خانقة. وامتنع زعيم القيسية عبد العزيز الجرو وقبيلته عن دفع الضرائب. وفي منطقة البشموريين، كان جابي الجزية رجلا يدعى غيث، اشتهر بعنفه، إذ كان يقيد الأقباط بالسلاسل، ويجبرهم على العمل في المطاحن حتى يدفعوا الجزية، أو يبيعوا أبناءهم عبيدا لسداد ما عليهم.

 

وتفاقمت المأساة عندما انفصلت قبائل القيسية عن السلطة، وفرض الجرو ضرائب إضافية على الأقباط القاطنين في مناطق نفوذهم. دخلت بيوت الأقباط في حالة جوع وضيق شديدين، فهرب بعضهم إلى البراري، بينما اضطر آخرون إلى الخضوع والعمل كالعبيد. أما أقباط البشموريين، فقد لجأوا إلى صناعة الأسلحة، وبدأوا حركة تمرد ضد السلطة.

 

وفي أكتوبر عام 816م، شهدت مصر تمردا جديدا قاده سليمان بن غالب، أحد كبار الجنود، مدعيا أنه يحمل مرسوما من قائد الجيوش العباسية بعزل ابن السري. وكان سليمان من قبيلة الجلبي ذات الثقل العسكري في الفسطاط، فساندته الجموع، وهرب ابن السري إلى أخميم، حيث مركز قبيلته بني مدلج. لكن حكم ابن غالب لم يدم سوى خمسة أشهر، بعدما رفع رواتب أبناء قبيلته فقط، وانكشف زيف المرسوم الذي حمله. ثار الجنود ضده، ففر هاربا، وأعادوا ابن السري إلى الحكم في مارس عام 817م.

 

اضطر المأمون إلى تثبيت ابن السري واليا مرة أخرى أملا في استقرار الأوضاع. لكن بوفاته عام 820م، دخلت مصر في فوضى عارمة. تحولت البلاد إلى ساحة صراع مفتوح بين أبناء ابن السري وعائلة الجرو في الدلتا، دون خضوع حقيقي لسلطة الخلافة. تولى نصر بن السري الحكم ثم مات، فخلفه أخوه عبيد الله. وأرسل المأمون خالد بن يزيد على رأس جيش لإخضاعه، لكن ابن السري تحالف مع الجرو وقبائل القيسية. ومنعت هذه القبائل الإمدادات عن الفسطاط وجيش المأمون، فهزم الجيش وعاد إلى بغداد مهزوما.

 

وكما جرت العادة، كان الأقباط هم من دفعوا ثمن هذا الصراع، إذ رفع الطرفان الجزية عليهم لتغطية نفقات الحرب، وازدادت معاناة مصر والأقباط، خاصة مع دخول قبائل أخرى من الأندلس إلى الإسكندرية، وهو ما سيكشف عنه المقال القادم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى