مدينة هاتوشا: عاصمة الحيثيين الغامضة في قلب الاناضول
أسماء صبحي – تعد مدينة هاتوشا واحدة من اهم المدن التاريخية القديمة التي لعبت دورا محوريا في تاريخ الشرق الادنى. فهي العاصمة السياسية والدينية للحضارة الحيثية التي ازدهرت في الاناضول خلال الالفية الثانية قبل الميلاد. ونافست قوى كبرى مثل مصر الفرعونية وبابل واشور.
تقع هاتوشا في وسط تركيا الحالية بالقرب من مدينة بوجازكوي. واختير موقعها بعناية فوق هضبة صخرية محاطة بتلال، مما وفر لها حماية طبيعية وساعد على تحصينها ضد الهجمات الخارجية.
مدينة هاتوشا عاصمة امبراطورية قوية
في القرن السابع عشر قبل الميلاد، اصبحت هاتوشا عاصمة رسمية للدولة الحيثية، ومنها اديرت واحدة من اقوى امبراطوريات العصر البرونزي. وتميز الحيثيون بنظام سياسي منظم، وجيش قوي يعتمد على العربات الحربية. وهو ما جعل هاتوشا مركزا لاتخاذ القرارات العسكرية والدبلوماسية الكبرى.
ومن هذه المدينة خرجت واحدة من اشهر المعاهدات في التاريخ. وهي معاهدة السلام بين الحيثيين والمصريين بعد معركة قادش، والتي وقعها الملك الحيثي خاتوشيلي الثالث مع الفرعون رمسيس الثاني.
العمارة والتحصينات
تظهر بقايا هاتوشا تقدما معماريا لافتا، حيث احاطت بها اسوار ضخمة امتدت لعدة كيلومترات. وتضمنت بوابات حجرية مهيبة مثل بوابة الاسود وبوابة الملك وبوابة ابو الهول. وقد صممت هذه البوابات ليس فقط للدفاع، بل ايضا لاظهار قوة الدولة وهيبتها.
كما ضمت المدينة معابد عديدة، اهمها المعبد الكبير الذي كان مركزا دينيا لعبادة الهة الحيثيين، وعلى راسهم اله العاصفة والهة الشمس.
اللغة والارشيف الملكي
من اهم ما يميز هاتوشا هو اكتشاف الاف الالواح الطينية المكتوبة بالخط المسماري. والتي شكلت ارشيفا ملكيا ضخما. وتضمنت هذه النصوص قوانين ومعاهدات وصلوات وسجلات ادارية. مما وفر للباحثين مصدرا ثمينا لفهم الحياة السياسية والدينية والاجتماعية للحيثيين. وتكمن اهمية هذه الالواح في انها كشفت ان اللغة الحيثية هي من اقدم اللغات الهندو اوروبية المعروفة.
سقوط المدينة واختفاؤها
في نهاية القرن الثاني عشر قبل الميلاد، تعرضت هاتوشا للدمار والهجر. ويرجح ان ذلك كان نتيجة خليط من الاضطرابات الداخلية والهجمات الخارجية والتغيرات المناخية التي اثرت على المنطقة. ومع سقوطها، انهارت الامبراطورية الحيثية واختفت من مسرح التاريخ لقرون طويلة.
اعادة الاكتشاف
ظلت مدينة هاتوشا مجهولة حتى اواخر القرن التاسع عشر، حين كشفت الحفريات الاثرية عن اطلالها واعادت احياء حضارة كانت منسية. واليوم تعد المدينة موقعا للتراث العالمي لليونسكو، وشاهدا حيا على واحدة من اعظم حضارات الشرق القديم.



