لقاء عمر بن الخطاب بقاتل أخيه زيد بن الخطاب مشهد خالد في العدل والتجرد

تعد قصة لقاء عمر بن الخطاب بقاتل أخيه زيد بن الخطاب بعد إسلامه من أشهر المواقف التي يستشهد بها المؤرخون في بيان عدل عمر وتجرده من الهوى، وقد ذكرت كتب التاريخ والسير هذه الحادثة مثل ابن سعد وابن الأثير وابن حجر وغيرهم، مع اختلاف يسير في بعض التفاصيل، لكن أصل القصة ثابت ومتداول في المصادر القديمة، وتحمل هذه الواقعة معاني عميقة في الإنصاف وضبط النفس وتقديم الحق على المشاعر
استشهاد زيد بن الخطاب
كان زيد بن الخطاب رضي الله عنه الأخ الأكبر لعمر بن الخطاب، وكان من السابقين إلى الإسلام، بل أسلم قبل عمر، وكان عمر يقدره ويجله ويحبه حبا شديدا، وقد استشهد زيد سنة اثنتي عشرة للهجرة في معركة اليمامة أثناء قتال المرتدين وجيش مسيلمة الكذاب، وكان يحمل راية المسلمين يومها، وثبت ثباتا عظيما في ساحة القتال حتى قتل بعد مواجهة شديدة، وكان الذي قتله رجلا من بني حنيفة يعرف بأبي مريم الحنفي، وقيل السلولي
حزن عمر على أخيه حزنا كبيرا، وكان يذكره بكلمات مؤثرة تدل على عمق العلاقة بينهما، فكان يقول رحم الله زيدا سبقني إلى الحسنيين أسلم قبلي واستشهد قبلي، وكان يقول أيضا ما هبت الصبا إلا وجدت ريح زيد، يعبر بذلك عن شدة شوقه وحنينه لأخيه الذي فقده في سبيل الله
إسلام قاتل زيد
بعد انتهاء حروب الردة عاد كثير من القوم إلى الإسلام، وكان من بينهم أبو مريم الحنفي قاتل زيد، فأعلن إسلامه وحسن إسلامه، وأصبح واحدا من المسلمين، ولم يعاقبه أحد لأنه لم يعد محاربا، بل دخل في الإسلام فصار له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وكان يعلم مكانة زيد في قلب عمر، لذلك كان يتحاشى لقاءه ويبتعد عن طريقه قدر المستطاع
اللقاء بين عمر وقاتل أخيه
عندما تولى عمر بن الخطاب الخلافة كان يشرف بنفسه على شؤون الرعية، ويتابع توزيع العطاء من بيت المال، وفي أحد الأيام رأى رجلا بين الناس فعرفه، فقد كان ذلك الرجل هو قاتل أخيه زيد، فتوقف عمر لحظة ثم دعاه وسأله أأنت قاتل زيد، فأجاب الرجل نعم
قال له عمر بصراحة لا أحب أن أراك، وفي بعض الروايات قال والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم، أي أن قلبه لا يستطيع أن يميل إليه بعد ما كان منه، وكان هذا التعبير صادقا عن شعور إنساني طبيعي
عندها قال أبو مريم يا أمير المؤمنين أيمنعني ذلك حقي، أي هل يمنعني كرهك لي من نصيبي في بيت المال، فجاء رد عمر حاسما لا لا يمنعك حقك، فأكد أن مشاعره الشخصية لا علاقة لها بالعدل والحقوق، فقال أبو مريم فما لي ولحبك إنما الحب للنساء، أي أن المهم هو العدل لا العاطفة، فسكت عمر وأعطاه حقه كاملا دون نقص
دلالات الموقف وعظمته
تكشف هذه القصة عن صفات عظيمة في شخصية عمر بن الخطاب، فقد تحلى بالصراحة فلم يخف شعوره ولم يدع محبة لا يحملها قلبه، وأظهر عدلا مطلقا حين فصل بين مشاعره الخاصة وواجبه كخليفة مسؤول عن إقامة الحق بين الناس، كما سيطر على نفسه فلم يظلم الرجل ولم ينتقص من حقه رغم قدرته على ذلك، لأنه تعامل معه بصفته مسلما له حقوق وعليه واجبات
وتذكر بعض الروايات أن أبا مريم خرج إلى الشام أو اليمامة في زمن عمر وكان يتجنب لقاءه، وقيل إنه عاد إلى المدينة بعد وفاة عمر، إلا أن هذه التفاصيل ليست في قوة ثبوت أصل القصة الذي تناقلته المصادر



