تاريخ ومزارات

يوم الأرك… المعركة التي فر فيها ملك قشتالة مع عشرين فارسًا

في أواخر القرن السادس الهجري، كانت الأندلس تمر بإحدى أكثر مراحلها قسوة، فبعد أفول نجم دولة المرابطين، ساد الضعف والانقسام، ووجدت الممالك المسيحية في الشمال الفرصة سانحة للتوسع جنوبًا، وقشتالة بقيادة الملك ألفونسو الثامن تصدرت هذا الزحف، مستغلة حالة التفكك، حتى سقطت قلعة الأرك عام 585 هـ، تلك القلعة التي لم تكن مجرد حصن، بل مفتاح طرق ومركز تهديد دائم للمدن الإسلامية، تنطلق منها الغارات، وتُقطع بسببها خطوط الإمداد.

قصة معركة يوم الأرك

على الضفة الأخرى من البحر، في المغرب، كان الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور قد أنهى سنوات طويلة من تثبيت حكمه، وقمع الثورات، وبناء جيش منظم شديد البأس، ومع توالي رسائل الاستغاثة من الأندلسيين، التي تصف ما يفعله الفرنج من قتل وسبي ونهب، أدرك أن ساعة المواجهة قد حانت، ولم يكتف ألفونسو بذلك، بل بعث برسالة استفزاز وسخرية يدعو فيها المنصور للقتال، فكتب الخليفة على ظهر الرسالة بيده وعدًا لا تهديدًا، ثم أصدر أوامره بالتعبئة الكبرى.

عبر المنصور البحر إلى الأندلس، وجمع جيشًا ضخمًا، ضم قبائل المصامدة، والعرب، وأهل الأندلس، والمتطوعين، حتى بلغ عدد المقاتلين في بعض الروايات قرابة مئتي ألف، وفي المقابل حشد ألفونسو جيشًا هائلًا، قُدرت أعداده بأكثر من ذلك، مدعومًا بفرسان ليون ونافارا، ومتطوعين من أنحاء أوروبا، في مشهد أقرب إلى حملة صليبية واسعة.

 

في صباح الأربعاء 9 شعبان 591 هـ، الموافق 18 يوليو 1195م، التقى الجيشان في سهول الأرك، وتمركز القشتاليون فوق تل مرتفع يمنحهم أفضلية ظاهرة، بينما نزل جيش الموحدين إلى الأرض المنخفضة، وبدأ الهجوم القشتالي عنيفًا، اندفع الفرسان المدرعون بثقلهم وضجيجهم، في محاولة لكسر الصفوف وبث الرعب، لكن المنصور كان قد أعد خطته بدقة.

 

ترك الفرسان يندفعون، ثم أطبق عليهم بقوات خفيفة سريعة من الرماة والفرسان المغاربة، فحاصروهم من الجانبين، وقطعوا عليهم خطوط الرجوع، ومع اشتداد الضغط على ميسرة الجيش، توجه الخليفة بنفسه إلى قلب المعركة، يثبت الجنود ويحثهم على الصبر والثبات، فارتفعت المعنويات، وتحولت المواجهة إلى معركة كسر إرادة.

 

لم تمض ساعات حتى انهار التنظيم القشتالي، وسقط آلاف الفرسان والنبلاء والقادة قتلى في أرض المعركة، وتحولت السهول إلى مذبح مفتوح، ولم يجد ألفونسو الثامن سبيلًا للنجاة سوى الفرار في اللحظات الأخيرة، مصحوبًا بعدد ضئيل من فرسانه لم يتجاوزوا العشرين، حتى وصل طليطلة منهكًا دون توقف.

 

بعد النصر، حاصر المسلمون حصن الأرك، وأشعلوا النار في أبوابه، ففتح عنوة، وغنموا ما فيه من ثروات هائلة، من خيول وبغال وخيام وسلاح، في مشهد يعكس حجم الانهيار الذي أصاب قشتالة، وكانت خسائر القشتاليين فادحة للغاية، وتحدث المؤرخون عن عشرات الآلاف بين قتيل وأسير، بينما جاءت خسائر الموحدين محدودة قياسًا بضراوة القتال.

 

ارتفع شأن المنصور بعد هذا الانتصار، وتلقب بالمنصور بالله، واضطر ألفونسو لطلب الهدنة ودفع الجزية، واستعاد المسلمون عددًا من القلاع والحصون المهمة، غير أن هذا النصر العظيم لم يُستثمر على النحو الكامل، إذ تردد المنصور في متابعة التقدم شمالًا، فترك للممالك المسيحية فرصة لإعادة ترتيب صفوفها.

 

وبعد سنوات قليلة فقط، انقلبت الموازين في معركة العقاب، لكن معركة الأرك بقيت حاضرة في الذاكرة الإسلامية، كرمز للانتصار الساحق والوحدة والقيادة الحاسمة، لحظة قصيرة من المجد، أعادت الهيبة إلى المسلمين في غرب المتوسط، وأكدت أن اجتماع الكلمة وحسن القيادة قادران على قلب موازين التاريخ، ولو إلى حين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى