تاريخ ومزارات

معركة الزاب الكبرى.. حين انطفأ آخر سيف أموي

كان يومًا شديد البرودة في أواخر يناير عام 750م الموافق 11 جمادى الآخرة 132هـ، على ضفاف نهر الزاب الكبير في شمال العراق، حيث بدا الماء هادئًا وهو يشق أراضي خصبة صامتة، غير أن هذا الهدوء كان يخفي خلفه لحظة فاصلة، لحظة ستقلب ميزان التاريخ الإسلامي وتغلق بابًا ظل مفتوحًا قرابة قرن من الزمان.

تاريخ معركة الزاب الكبرى

في دمشق، كانت الخلافة الأموية تعيش سنواتها الأكثر اضطرابًا، فمنذ وفاة الخليفة هشام بن عبد الملك، بدأت الدولة تفقد تماسكها، وتعاقبت الفتن والانقسامات، تولى الوليد بن يزيد الحكم، وبدأ عهده بوعود تهدئة، لكنه سرعان ما انصرف إلى اللهو، فاشتعل الغضب داخل البيت الأموي نفسه، قاد يزيد بن الوليد تمردًا عليه، وقتله، وتولى الخلافة، لكن أيامه كانت قصيرة، إذ لم تمض سوى ستة أشهر حتى توفي، وترك الشام غارقة في فوضى سياسية عميقة.

 

خلفه إبراهيم بن الوليد، لكنه عجز عن فرض هيبته أو توحيد الصفوف، وفي خضم هذا الضعف، ظهر مروان بن محمد، أقوى رجال بني أمية في ذلك الوقت، كما تحرك ضد إبراهيم، وانتصر عليه في معركة عين الجر، وبويع خليفة عام 127هـ غير أن مروان تسلم دولة مثقلة بالجراح، ثورات في حمص والغوطة وفلسطين، تمردات الخوارج في العراق، وصراعات داخلية مع أمراء أمويين نافذين، أبرزهم سليمان بن هشام.

 

وبينما كان مروان يحاول إخماد النيران المشتعلة في الشام والمغرب، كانت نار أخطر تتأجج في أقصى الشرق، في خراسان، هناك تمددت الدعوة العباسية في الخفاء لسنوات، مستغلة السخط الواسع على الحكم الأموي، ومستندة إلى الانتساب لآل البيت، وحين حان وقت الجهر، ارتفعت الرايات السوداء، واجتمع الناس حولها بقيادة أبي مسلم الخراساني، ثم عبد الله بن علي، عم أبي العباس السفاح.

 

أدرك مروان متأخرًا حجم التهديد، جمع جيشًا ضخمًا، وسار به شرقًا حتى وصل إلى الموصل، ثم عسكر على ضفاف نهر الزاب، أقام جسرًا عائمًا لعبور جنوده، لكن على الضفة الأخرى كان جيش العباسيين ينتظره، يقوده عبد الله بن علي، مشحونًا بالحماسة والعقيدة والإصرار.

 

اندلعت معركة الزاب الكبرى في الخامس والعشرين من يناير عام 750م، واستمر القتال أحد عشر يومًا متواصلة. تصادمت السيوف، وامتلأت السماء بالسهام، وسالت الدماء حتى اختلطت بمياه النهر، في بدايتها بدا التوازن حاضرًا، لكن المشهد تبدل سريعًا، انهارت معنويات الجيش الأموي، وتفوق العباسيون في العزيمة والتنظيم، وتفككت الصفوف، فبدأ الجنود في الفرار، واضطر مروان إلى الانسحاب، تاركًا جيشه يواجه مصير الهزيمة الساحقة.

 

فر مروان غربًا، يطارده العباسيون، حتى وصل إلى مصر بحثًا عن مأمن، لكنه لم يجده. لحق به خصومه وقتلوه في قرية بوصير، لتنتهي بذلك حياة آخر خلفاء بني أمية في المشرق، وتنقطع السلسلة التي حكمت الدولة الإسلامية نحو اثنين وتسعين عامًا، تعاقب خلالها أربعة عشر خليفة.

 

على ضفاف الزاب الكبير، طويت صفحة طويلة من التاريخ الإسلامي، وارتفعت راية جديدة، لم تكن تلك المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت لحظة فاصلة نقلت الخلافة من الشام إلى آفاق جديدة، وفتحت عهدًا عباسيًا سيعيد تشكيل السياسة والثقافة ومراكز القوة في العالم الإسلامي لقرون طويلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى