تاريخ ومزارات

الإمام ابن كثير.. حافظ التاريخ ومفسر القرآن الذي عبرت كتبه القرون

يعد الإمام عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الشافعي، المعروف بابن كثير، واحدًا من أبرز علماء الإسلام في القرن الثامن الهجري، وأحد الأسماء التي تركت بصمة راسخة في علوم التفسير والحديث والتاريخ، ورغم اختلاف المؤرخين في تحديد سنة ميلاده بدقة، إلا أن أغلب الروايات ترجح ولادته عام 701 هجرية، في زمن شهد ازدهارًا علميًا وصراعات فكرية كبرى.

من هو الإمام ابن كثير

نشأ ابن كثير في أسرة علمية متدينة، وكان لوالده دور مهم في غرس حب العلم والالتزام الديني، قبل أن يتوفى وهو لا يزال طفلًا صغيرًا، وتولى شقيقه الأكبر رعايته، واصطحبه إلى دمشق، حيث بدأت رحلته الحقيقية مع طلب العلم هناك، انفتح على حلقات العلماء، وتدرج في التحصيل حتى صار من كبار أهل العلم في عصره.

 

تلقى ابن كثير العلم على يد نخبة من أعلام زمانه، في مقدمتهم الحافظ المزي، الذي لازمه وتأثر بمنهجه، وتزوج ابنته، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي كان له أثر واضح في تكوينه العلمي والفكري، خاصة في الالتزام بالكتاب والسنة ومحاربة البدع، كما أخذ عن الذهبي وغيره من كبار المحدثين والمؤرخين.

 

برز نبوغ ابن كثير مبكرًا، فجمع بين قوة الحفظ وسرعة الاستحضار وحسن الفهم، وهي صفات جعلته مميزًا بين أقرانه. حفظ القرآن في سن مبكرة، وأتقن علوم الحديث، وامتلك قدرة لافتة على الربط والتحليل، الأمر الذي انعكس بوضوح في مؤلفاته.

 

نال ابن كثير تقدير العلماء في حياته وبعد وفاته، فأثنى عليه الذهبي وابن حجر والسيوطي، واعتبروه إمامًا مفسرًا ومحدثًا وفقيهًا متفننًا. ولم يكن علمه نظريًا فقط، بل مارس التدريس والفتوى، وكان له حضور علمي واجتماعي مؤثر، مع حرصه على الاستقلال العلمي والبعد عن المناصب الرسمية.

 

أشهر مؤلفات ابن كثير هو كتابه الخالد تفسير القرآن العظيم، الذي احتل مكانة مرموقة في المكتبة الإسلامية، واعتمد فيه على تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة والتابعين، مع عناية خاصة بنقد الروايات وتمييز الصحيح من الضعيف، وقد تميز تفسيره بالوضوح والالتزام بمنهج أهل السنة، والتحذير من الإسرائيليات والقصص الدخيلة.

 

كما ترك ابن كثير أثرًا بالغًا في علم التاريخ من خلال كتابه البداية والنهاية، الذي يعد من أهم المراجع التاريخية الإسلامية، إذ جمع فيه بين السرد التاريخي والتحليل، وربط الأحداث بالمنهج الشرعي والفهم العقدي.

 

عرف ابن كثير بأخلاقه العالية، وإنصافه لخصومه، وجرأته في قول الحق، مع التزامه بالأدب والموضوعية، وكان مثالًا للعالم الذي جمع بين العلم والعمل، وبين الصرامة العلمية والخلق الرفيع.

 

توفي الإمام ابن كثير عام 774 هجرية، بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي، لكنه ترك وراءه تراثًا لا يزال حاضرًا بقوة، يشهد على عالم عاش للعلم، فخلده العلم عبر القرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى