خطط الحكم في الأندلس.. هندسة الدولة بين الدواوين والسلطة
اختلف مدلول الوزارة في الأندلس عما كان عليه في المشرق، إذ لم يعد لقب الوزير يطلق على المعنى السياسي الواسع المعروف في المراكز الشرقية، بل أصبح يطلق على من يعادل أصحاب الدواوين في المشرق، وعرف هؤلاء في الأندلس باسم قوام الخدمة، بينما سميت وظائفهم بالخطط، في تعبير يعكس خصوصية التنظيم الإداري الأندلسي واستقلاله في المفاهيم والمسميات.
ما هي خطط الحكم في الأندلس
وقد شهد عهد الأمير عبد الرحمن الثاني الأوسط تطورا ملحوظا في هذا الجانب، إذ جعل لبعض هذه الخطط دواوين مستقلة، وأمر ببناء مجلس داخل قصر الإمارة خصص ليكون مقرا للحاجب والوزراء وقوام الخدمة، وعرف هذا المجلس باسم مجلس الخدمة، ثم تحول هذا الاسم في عهد الخلافة إلى خدمة الخليفة، وظل هذا المجلس قائما في موضعه حتى نقله المنصور بن أبي عامر إلى قصر الزاهرة، في خطوة عكست التحولات السياسية والإدارية في الدولة.
وكان تقليد الخطط يتم بصك رسمي يصدر عن الأمير أو الخليفة، وغالبا ما كان أرباب هذه الخطط يختارون من بيوتات عربية عريقة في قرطبة، أو من بيوتات الموالي من العرب والصقالبة، في حين احتفظ الخليفة لنفسه بحق إسناد قيادة الجيش إلى أحد أفراد أسرته، تأكيدا لأهمية هذا المنصب وحساسيته.
ومن أهم الخطط التي عرفت في الأندلس خطة الرسائل، وكان صاحبها يسمى الكاتب أو كاتب الرسائل أو صاحب الرسائل، ومع اتساع مهام هذا المنصب في عهد عبد الرحمن الناصر، عين أربعة كتاب، خصص لكل واحد منهم اختصاص محدد، فكان هناك كاتب لأهل الخدمة، وكاتب لمطالب الناس وحوائجهم، وكاتب للعهود والتوقيعات، وكاتب لأهل الثغور والسواحل والأطراف، إلى جانب كاتب الخليفة الخاص الذي يتولى كتابة ما يصدر عن الخليفة من أمور بعد صياغتها بالتعاون مع كاتب الإنشاء.
وتأتي بعد ذلك خطة خزانة المال، وكان صاحبها يعرف بخازن المال أو صاحب المخزون، وهي من الخطط المالية ذات الأهمية الكبرى في ضبط موارد الدولة وحفظ أموالها، كما وجدت خطة بيت المال، وكان المقصود بها حفظ أموال الأوقاف والتصرف فيها وفقا لشروط الواقفين، وغالبا ما كان يتولاها أحد القضاة لما يتطلبه المنصب من أمانة ودراية فقهية، وإلى جانبها جاءت خطة خاصية بيت المال، وهي المختصة بإدارة أموال الأمير أو الخليفة الخاصة، وكان مقرها داخل قصر الإمارة أو الخلافة.
ومن الخطط المالية الرفيعة خطة الزمام، وكان صاحبها يسمى كاتب الزمام، وهي وظيفة عالية القدر، وربما قصد بها خطة الخراج، التي عرف متوليها بصاحب الخراج أو صاحب الأشغال الخراجية، لما لها من صلة مباشرة بإيرادات الدولة وتنظيم شؤونها الاقتصادية.
أما خطة الشرطة، فقد كانت من أكثر الخطط تطورا، إذ انقسمت إلى أكثر من قسم، شملت الشرطة الكبرى والشرطة الصغرى، وقد استحدثها الأمير عبد الرحمن الثاني الأوسط، واقتطع اختصاصاتها من خطة السوق، وكانت تعرف في عهده باسم أحكام الشرطة، ثم جاء الخليفة عبد الرحمن الناصر وأضاف خطة ثالثة هي الشرطة الوسطى، وكانت مهام الشرطة الكبرى تتركز في الحكم على أهل المراتب السلطانية، والضرب على أيديهم عند المخالفة، وكان متولي خطة الشرطة من أعلى المناصب في الدولة، وغالبا ما كان من يرشح للوزارة أو الحجابة.
ومن الخطط المهمة أيضا خطة صاحب السوق، التي اختصت بالإشراف على الأسواق، وكان متوليها يعرف بالمحتسب، ولم تقتصر صلاحياته على مراقبة المعاملات التجارية، بل امتدت إلى حفظ النظام داخل المدينة، وامتلك حق معاقبة المخالفين بالضرب أو التجريس، وفي عهد الخلافة وما بعده عرفت هذه الخطة باسم الحسبة، وأصبحت من الركائز الأساسية في ضبط الحياة العامة.
كما ظهرت خطط خاصة بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، من بينها خطة البنيان، وخطة البرد أي البريد، وخطة الساقية الخاصة بري الأراضي، وخطة الفحص المتعلقة بالمناطق الزراعية، وخطة القطوع الخاصة بالإقطاعات، وخطة الصدقة المعنية بالزكاة، وهي خطط تعكس شمولية التنظيم الإداري واهتمام الدولة بمختلف جوانب الحياة.
وتعد خطة القضاء من أعظم الخطط في الأندلس، وكان متوليها من أصحاب الرأي المسموع والنفوذ المعنوي الكبير، وقد عرف القاضي في بدايات الدولة باسم قاضي الجند، ثم أصبح يلقب في عهد عبد الرحمن الداخل بقاضي الجماعة، وكان أول من عرف بهذا الاسم القاضي يحيى بن يزيد التجيبي، ثم تطور اللقب في أواخر عهد الخلافة إلى قاضي القضاة، وكان يعاون القاضي عدد من الفقهاء يستشيرهم في القضايا المهمة، وعرفوا باسم الفقهاء المشورين، وكان القاضي يجتمع بهم في مجلس يعرف بمجلس الشورى أما القضاة خارج حدود العاصمة، فكانوا يعرفون بلقب المسدد.
ومن خطط القضاء أيضا خطة الرد، وهي خطة مكملة للنظام القضائي، إذ كان لصاحبها حق الرد فيما يرجعه القضاة، وكان يتلقى اعتراضات الخصوم على الأحكام، وشكاوى الناس التي ترفع إلى الأمير، وتأتي بعد ذلك خطة المظالم، ويرجح أن صاحبها كان مكلفا بتنفيذ أحكام القاضي، كما يرجح أن هذه الخطة لم تعرف في عهد الإمارة، وإنما استحدثت في عهد الخلافة في زمن عبد الرحمن الناصر.
وقد اختلفت خطة المظالم في الأندلس عن نظيرتها في المشرق، إذ كان قاضي المظالم في المشرق من كبار رجال الدولة وأصحاب النفوذ، دون اشتراط أن يكون من القضاة، بينما كان صاحب خطة المظالم في الأندلس هو المسؤول عن تنفيذ أحكام قاضي الرد، في إطار نظام قضائي أكثر تدرجا وتخصصا، يعكس دقة البناء الإداري للدولة الأندلسية وتميزها عن غيرها من دول العالم الإسلامي.



