حكاية إسماعيل صديق المفتش بين المجد والسقوط
في قلب دلتا مصر الخصبة وتحت سماء القرن التاسع عشر المثقلة بالطموحات والصراعات، وُلد إسماعيل صديق عام 1830 في عزبة والده بأسيوط، نشأ في بيت يقترب من السلطة دون أن يمتلكها، فوالده كان ضابطا عسكريا عرف باسم دونالي مصطفى أغا باشا، ووالدته تولت منصب كبيرة وصيفات القصر، وكانت من المقربات إلى خوشيار هانم والدة الخديوي إسماعيل، وفي لحظة فارقة من القدر أرضعت تلك السيدة طفل الخديوي بعد أن جف لبنها، فصار إسماعيل صديق أخا للخديوي في الرضاعة، علاقة بدأت من الطفولة وامتدت حتى دهاليز الحكم.
حكاية إسماعيل صديق المفتش
بدأ إسماعيل حياته في وظائف متواضعة داخل البلاط، عمل مسيرا للركائب في إسطبلات الوالي عباس باشا، ينظم الخيول ويشرف على تنقلات الحاشية، غير أن الطموح لم يفارقه، ومع الوقت فتح له القرب من القصر أبوابا واسعة، فانتقل للعمل في الدائرة السنية، وتنقل بين مناصب في الشرقية والسنطة، حتى بلغ منصب مفتش عمومي عام 1863، وامتلك مساحات شاسعة من الأراضي، ونال رتبة الباشوية والنيشان العثماني، وصار اسمه مقترنا بالنفوذ والرهبة.
جاءت اللحظة الحاسمة مع تولي الخديوي إسماعيل الحكم عام 1863، فرفع أخاه في الرضاعة إلى قمة السلطة، وعينه مفتشا للأقاليم البحرية، فأظهر براعة في تنظيم الكشوف والحسابات، حتى صارت نموذجا يحتذى به في أنحاء البلاد، وتقدم لقب المفتش على اسمه الحقيقي، كأن السلطة أعادت تشكيل هويته ومنحته اسما يثير الخوف والاحترام في آن واحد.
منحه الخديوي صلاحيات واسعة، فصار يعين ويعزل، ويوزع الأراضي في الشرقية ودمياط، وينظم أملاك الأوروبيين، ويمنع تشغيل آلات حلج القطن دون ترخيص حماية للأهالي، وأشرف على إنشاء خطوط السكك الحديدية بين بنها وقليوب ومحطة كفر حمزة، ونظم السخرة فاستثنى الشيوخ والصبية وأصحاب الحرف، وخفف الأعباء عن الفلاحين، وتعامل مع تمردات العربان بنزع السلاح ومنح الأراضي لإعادتهم إلى الاستقرار، وأنشأ مصنعا للورق قلل الاستيراد وفتح باب التصدير، ودعم المدارس بالتبرعات، واستبدل عددا من الموظفين الأتراك بمصريين أكثر كفاءة.
بلغ نفوذه الذروة في أبريل 1868 حين تولى نظارة المالية، فصار الرجل الثاني في الدولة، وأطلق عليه الناس لقب الخديوي الصغير، جمع بين المالية والداخلية والدائرة السنية، وجلس في المجلس الخصوصي، وعاش ثماني سنوات من سلطة بدت بلا حدود.
لكن الأزمات لا ترحم، ومع تفاقم الديون الخارجية وتوقف البنوك الأوروبية عن الإقراض، تحول الضغط إلى الفلاحين، وهنا ظهر الوجه القاسي لإسماعيل المفتش، استعان بالزبانية، وصادر المحاصيل، وباعها خضراء للمرابين الأجانب، ثم أعاد بيعها لتجار آخرين مع تعويضات سخية للأجانب، وابتكر قانون المقابلة الذي أجبر الفلاحين على دفع ضرائب ست سنوات مقدما مقابل إعفاءات شكلية، وفرض ذلك بالقوة.
ونسب إليه دور حاسم في بيع نصيب مصر من أسهم قناة السويس، قرابة أربعة وأربعين في المئة، مقابل أربعة ملايين جنيه فقط، بعد مفاوضات مع القنصل البريطاني وضع خاتمه عليها، فانتقلت الأسهم إلى لندن وتلقت مصالح مصر ضربة قاسية.
مع فرض الرقابة الثنائية الإنجليزية الفرنسية، وظهور المراقب الإنجليزي جوشن الذي أبدى عداء صريحا له، انكشفت الفوضى المالية، ووصف جوشن الدولة بأنها ضيعة خاصة للخديوي وأخيه، وطالب بإبعاد المفتش، تردد الخديوي طويلا خوفا من انكشاف الأسرار المشتركة، لكنه حين تلقى تهديدا بمحاكمة أخيه بتهم اختلاس ضخمة، اختار التضحية به.
في صباح يوم من نوفمبر 1876 دعا الخديوي إسماعيل أخاه إلى نزهة على ضفاف النيل، وتحركت العربة نحو قصر الجزيرة، وعند البوابة قبض الحرس عليه، وصدر قرار نفيه إلى دنقلة، وعلى متن السفينة النيلية راقبه مصطفى باشا فهمي، ثم تقدم الجلاد التركي إسحق بك، وأمسك به وخنقه حتى الموت، وفي لحظة أخيرة قضم إسماعيل إصبع الجلاد، كأنها صرخة انتقام أخيرة، ثم وضعوا الجثة في جوال مع أحجار وألقوها في قاع النيل قرب المعادي.
واصلت السفينة رحلتها إلى السودان، وأرسلت برقيات تزعم أن المفتش يبكي ويشرب الخمر، وبعد أيام صدر تقرير طبي مزيف على لسان طبيب إنجليزي يفيد بموته نتيجة انفجار الزائدة الدودية، نشرت الصحف الخبر، وقرأه الناس بصمت، وابتسموا بمرارة في زمن ندر فيه الصدق.
هكذا انتهت سيرة إسماعيل المفتش، الرجل الذي صعد من ابن وصيفة إلى قمة السلطة، ثم سقط ضحية طموحه وتحالفاته، وبقيت قصته شاهدا على تقلبات الحكم، حيث ترفع السلطة أصحابها إلى القمة، ثم تلقي بهم إلى القاع، في حضن نيل شهد كل شيء وظل صامتا.



