نصير الدين الطوسي.. عقل أنقذ العلم من رماد الغزو المغولي
أسماء صبحي– يعد نصير الدين الطوسي واحدًا من أعظم العقول العلمية في تاريخ الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. إذ جمع بين الفلسفة، والرياضيات، والفلك، والمنطق، والسياسة، في فترة كانت تعد من أكثر الفترات اضطرابًا ودمارًا بسبب الغزو المغولي. ورغم ارتباط اسمه أحيانًا بالجدل السياسي، فإن إرثه العلمي يضعه في مصاف كبار العلماء الذين أسهموا في إنقاذ المعرفة وتطويرها في زمن الانهيارات الكبرى.
نشأة نصير الدين الطوسي
ولد الطوسي في مدينة طوس بخراسان (شمال شرق إيران حاليًا)، ونشأ في بيئة علمية أتاحت له دراسة الفقه، والفلسفة، والرياضيات، والعلوم الطبيعية منذ سن مبكرة. سرعان ما برز نبوغه، خاصة في الرياضيات والمنطق، مما جعله مقصدًا للطلاب والعلماء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
في بداياته، انشغل الطوسي بالفلسفة المشائية، وتأثر بابن سينا. وكتب شروحًا وتعليقات أسهمت في تبسيط الفلسفة ونقلها إلى أجيال لاحقة بأسلوب منهجي ودقيق.
بين السياسة والعلم
مع اجتياح المغول لبلاد خراسان، وجد الطوسي نفسه في قلب أحداث سياسية وعسكرية عاصفة. وانتقل بين عدة مراكز وانتهى به المطاف قريبًا من دوائر الحكم المغولي خصوصًا في عهد هولاكو خان. ورغم الجدل الذي أحاط بعلاقته بالمغول، يرى عدد كبير من الباحثين أن الطوسي استثمر هذا القرب لحماية العلماء والكتب. ولإنشاء مؤسسات علمية كبرى في زمن كان فيه السيف يتقدم على القلم.
مرصد مراغة
تمثلت أبرز إنجازات الطوسي في تأسيس مرصد مراغة عام 1259م، والذي يعد واحدًا من أهم المراكز العلمية في العصور الوسطى. لم يكن المرصد مجرد مبنى فلكي، بل مدينة علمية متكاملة ضمّت مكتبة ضخمة قيل إنها احتوت على أكثر من 400 ألف مجلد جمعت من مناطق متعددة كانت مهددة بالدمار.
في هذا المرصد، عمل الطوسي مع فريق دولي من العلماء من خلفيات دينية وثقافية مختلفة. وأسهموا في تطوير علم الفلك ووضع نماذج رياضية جديدة لتفسير حركة الكواكب أبرزها ما عرف لاحقًا بـ “ازدواج الطوسي”. وهو نموذج رياضي استخدم لاحقًا في تطور علم الفلك الأوروبي.
إسهاماته العلمية
لم يقتصر إنتاج الطوسي على الفلك، بل شمل:
- الرياضيات: تطوير علم المثلثات كعلم مستقل عن الفلك.
- المنطق: إعادة صياغة مناهج المنطق الأرسطي بأسلوب أكثر دقة.
- الأخلاق: في كتابه الشهير “أخلاق ناصري” قدم تصورًا متكاملًا للعلاقة بين الفرد والمجتمع والسلطة.
تميز الطوسي بقدرته على الربط بين العلم النظري والتطبيق العملي. وهو ما جعل أعماله مرجعًا أساسيًا لقرون لاحقة.
الجدل حول شخصيته
أثار الطوسي جدلًا واسعًا بسبب موقعه من السلطة المغولية، حيث اتهمه بعض معاصريه بالتقرب من الغزاة. غير أن اتجاهًا بحثيًا حديثًا يرى أن الطوسي مارس براغماتية علمية هدفها الحفاظ على المعرفة في زمن الفوضى. وهو ما تؤكده نتائج مشاريعه العلمية والمؤسسات التي أنشأها.
ويقول الدكتور أحمد جلال موسى، أستاذ تاريخ العلوم الإسلامية، إن نصير الدين الطوسي يمثل نموذج العالم الذي فهم أن بقاء العلم أحيانًا يتطلب قرارات صعبة. مرصد مراغة لم يكن إنجازًا فلكيًا فقط، بل كان عملية إنقاذ حضاري للمعرفة في عصر الانهيار.



