تقي الدين المقريزي.. المؤرخ الذي فك شيفرة المجتمع والدولة في مصر الإسلامية
أسماء صبحي – تقي الدين المقريزي واحدًا من أبرز المؤرخين في تاريخ العالم الإسلامي. ليس فقط بسبب غزارة إنتاجه العلمي، بل لما قدّمه من قراءة عميقة لبنية المجتمع والدولة والاقتصاد في مصر خلال العصرين المملوكي والأيوبي. ورغم مرور أكثر من ستة قرون على وفاته، لا تزال كتاباته مرجعًا أساسيًا للباحثين في التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي للشرق الأوسط.
نشأة تقي الدين المقريزي
ولد المقريزي في القاهرة لأسرة ذات أصول علمية، ونشأ في بيئة مشبعة بالفقه والحديث واللغة. تلقى علومه على أيدي كبار علماء عصره، وتأثر مبكرًا بابن خلدون، الذي ترك أثرًا واضحًا في منهجه التحليلي ونظرته للتاريخ باعتباره علمًا يفسّر الظواهر لا مجرد سرد للأحداث.
عمل المقريزي في عدة مناصب رسمية، من بينها الخطابة والتدريس والقضاء. وهو ما أتاح له الاحتكاك المباشر بمراكز القرار السياسي والإداري، ومكنه من فهم آليات الحكم من الداخل، قبل أن يتفرغ لاحقًا للكتابة والتأريخ.
المقريزي والمؤرخ المختلف
ما يميز المقريزي عن كثير من مؤرخي عصره أنه لم يكتفِ بتسجيل الوقائع. بل سعى إلى تحليل أسبابها ونتائجها خاصة في ما يتعلق بالأزمات الاقتصادية، وفساد الإدارة، وتفاوت الطبقات الاجتماعية. وقدم في كتاباته صورة دقيقة للحياة اليومية في القاهرة من الأسواق إلى المؤسسات الدينية، ومن علاقة السلطة بالعامة إلى أنماط الاستهلاك والمعيشة.
يعد كتابه الشهير “إغاثة الأمة بكشف الغمة” نموذجًا متقدمًا في تحليل الأزمات الاقتصادية. إذ تناول فيه المجاعات والتضخم وغلاء الأسعار، رابطًا بينها وبين سوء الإدارة والاحتكار والفساد في طرح يعد سابقًا لعصره بمقاييس البحث التاريخي.
أهم مؤلفاته
ترك المقريزي عشرات المؤلفات، من أبرزها:
- المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المعروف بـ”الخطط المقريزية” وهو موسوعة شاملة عن القاهرة وتاريخها العمراني والاجتماعي.
- السلوك لمعرفة دول الملوك، الذي وثق فيه تاريخ الدولة المملوكية بأسلوب تحليلي دقيق.
- إغاثة الأمة بكشف الغمة الذي يعد من أوائل الدراسات الاقتصادية في التاريخ الإسلامي.
وتكمن أهمية هذه الأعمال في اعتمادها على المشاهدة المباشرة والوثائق الرسمية. إلى جانب الروايات التاريخية، مما يمنحها درجة عالية من المصداقية.
الموقف من السلطة
رغم عمله في مناصب رسمية، اتخذ المقريزي موقفًا نقديًا واضحًا من السلطة خاصة في سنواته الأخيرة. حيث لم يتردد في تحميل الحكام مسؤولية التدهور الاقتصادي والاجتماعي. وقد دفعه هذا الموقف إلى الابتعاد عن المناصب مكتفيًا بدور المؤرخ والمفكر، في خطوة عكست استقلاليته الفكرية وشجاعته العلمية.
ويقول الدكتور أحمد صدقي، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة القاهرة، إن تقي الدين المقريزي ليس مجرد مؤرخ تقليدي. بل يمكن اعتباره عالم اجتماع واقتصاد قبل ظهور هذه العلوم بصورتها الحديثة. وطريقته في ربط السياسة بالاقتصاد والمجتمع تجعل كتاباته صالحة للقراءة حتى في سياقنا المعاصر.



