قبيلة المهرة.. هوية لغوية فريدة وجذور ضاربة في عمق جنوب الجزيرة العربية
أسماء صبحي– تعد قبيلة المهرة واحدة من أقدم القبائل العربية في الشرق الأوسط، وتمثل نموذجًا استثنائيًا في التاريخ القبلي العربي. ليس فقط بسبب جذورها العميقة في جنوب الجزيرة العربية، بل أيضًا لاحتفاظها بلغة مستقلة وهوية ثقافية مميزة ما زالت حية حتى اليوم. وتنتشر القبيلة بشكل رئيسي في شرق اليمن محافظة المهرة، إضافة إلى امتدادات واضحة في سلطنة عُمان وجنوب السعودية. مما يمنحها حضورًا جغرافيًا مهمًا على ساحل بحر العرب.
أصول قبيلة المهرة
تنتمي المهرة إلى قضاعة ويرجعها المؤرخون إلى مهرة بن حيدان بن عمرو القضاعي. ويجمع الباحثون على أن المهرة من أقدم القبائل التي استوطنت السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية قبل الإسلام بقرون طويلة. حيث ارتبط اسمها بالتجارة البحرية والملاحة عبر المحيط الهندي.
وقد شكل الموقع الجغرافي للمهرة، المطل على طرق بحرية استراتيجية، عاملًا رئيسيًا في ازدهارها المبكر. إذ لعبت دور الوسيط التجاري بين جنوب الجزيرة وشرق إفريقيا وشبه القارة الهندية.
اللغة المهرية
أبرز ما يميز قبيلة المهرة هو اللغة المهرية وهي لغة سامية جنوبية قديمة تختلف عن العربية الفصحى، وما زالت مستخدمة في الحياة اليومية بين أبناء القبيلة. وتعد هذه اللغة من اللغات المهددة بالاندثار، إلا أن القبيلة ما زالت تحافظ عليها باعتبارها جزءًا أساسيًا من هويتها.
ويؤكد الباحثون أن اللغة المهرية تعكس عمق التاريخ الحضاري للقبيلة، حيث تحمل مفردات وتراكيب لغوية تعود إلى آلاف السنين. وتعد امتدادًا للغات جنوب الجزيرة القديمة مثل السبئية والحميرية.
الدور التاريخي والسياسي
عبر التاريخ، لم تكن قبيلة المهرة قبيلة منعزلة، بل شاركت في التفاعلات السياسية والاقتصادية للمنطقة. فقد احتفظت بقدر كبير من الاستقلالية في علاقتها مع القوى المتعاقبة على اليمن. سواء في العصور الإسلامية المبكرة أو خلال فترات النفوذ العثماني والبريطاني.
وفي القرن العشرين، لعب شيوخ المهرة دورًا مهمًا في إدارة شؤون مناطقهم، مستندين إلى أعراف قبلية صارمة نظّمت العلاقات الاجتماعية وفضّ النزاعات. وهو ما ساهم في استقرار نسبي للمنطقة مقارنة بمناطق يمنية أخرى.
المجتمع والعادات
يعتمد المجتمع المهري تاريخيًا على الرعي، صيد الأسماك، والتجارة البحرية، إضافة إلى تربية الإبل التي تُعد رمزًا ثقافيًا مهمًا لدى القبيلة. وتتميز الإبل المهرية بسلالات معروفة بقوتها وقدرتها على التحمل.
كما تشتهر القبيلة بعادات راسخة في الضيافة، حل النزاعات بالتحكيم القبلي، والولاء الجماعي. وهي قيم حافظت على تماسك المجتمع رغم التحولات الحديثة. ولا تزال المجالس القبلية (المجالس العرفية) تمثل سلطة اجتماعية مؤثرة حتى اليوم.
ويقول الدكتور عبدالعزيز بن حمد المهري، الباحث في تاريخ جنوب الجزيرة العربية، إن قبيلة المهرة ليست مجرد كيان قبلي، بل هي حالة ثقافية ولغوية فريدة في العالم العربي. واستمرار اللغة المهرية حتى اليوم يُعد دليلًا على عمق الهوية واستقلال الشخصية الاجتماعية للقبيلة، رغم كل عوامل التغيير التي شهدتها المنطقة.



