
حاتم عبدالهادى السيد
تحيلنا الشاعرة السامقة سماح رجب إلى زمن الرومانتيكية الجميل؛ بداية من العنوان السيموطيقى : ” خذنى بعيداً “؛ حيث يجىء الأمر المصطحوب بالرجاء والدلال؛ فهى تخاطب محبوباً قريباً؛ وعاشقاً يَتَغَيَّاهَا؛ فتخاطبه بصيغة الطلب والرجاء والقوة ؛أو تخاطبه بأمر الحب؛ ليأخذها بعيداً على جواد العشق الصاهل؛ حيث يختلى المحب بمحبوبه بعيداً عن عيون العواذل والطامعين؛ وتجىء كلمة بعيداً , لتدلّل إلى مجهولية المكان؛ عبر التنكير؛ فالبُعد هنا – بمقصودية الإحتواء والتفرّد- كى تنعم بالأمان في البُعاد عن كل ما يحيط بها؛ وفى قرب المحبوب كذلك .
إنها الرومانسية الأشهى؛المفارقة؛ المخاتلة,الإدهاشية؛عبر العنوان السيمولوجى الدال . ولعل هذا الوضوح والصفاء الروحى ينعكسان على تجربتها الجمالية؛ حيث صفاء اللغة وسلسالها البديع؛ الذى يغيض من نهر الدفء بقلبها الكبير المحب الذى يسع العالم والكون والحياة .
إن ثمة قلق لدينا – نحن النقاد- من جفاف أرض الرومانسية الشعرية؛ لكن شاعرتنا الشاهقة / سماح رجب ؛ وجدناها تعيد تثوير منطلقات الجمال الرومانتيكى؛ لتعبر بجمال اللغة وظاهراتيتها؛ ووضوحها دون تعقيدات؛ وكأن روحها تكتب بريشة الجمال الكونى أنوثتها الضافية على العالم بالقيم التى افتقدناها.
فهى تذكِّرُنَا بزمن الفن الجميل؛ والشعر الترميزى المتدفق من فطرة أنثى تغزل من صوف مفردات قصائدها عباءة الشعر الرومانتيكى الجديد؛فنراها تُجَدِّدُ في الفكرة البسيطة لتعطيها جمالاً ودفئاً؛ومكانة مفارقة؛حيث لا تتكلف المعنى؛ولا تتجمل؛ولا تلوى عنق القافية بكلمات مُغَاصِبَةٍ؛ فقوافيها تنساب من نهر؛ ومعانيها تتدفق من جمر روحها المتقدة بالشجن؛ والمنيرة بالحب كذلك .
وفى قصيدتها “أحتاج صمتاً ” ؛ نراها تجهر بمكنوناتهاالفطرية؛ فهى كملاح تائه يبحث في جزيرة الحب عن مرفأ للسكون والراحة والصمت؛ وكأنها تعيد إلى الذهنية موضوعة : ” أدب الصمت والسكون ” – وهو أحد الأشكال العالمية التى تجعل من الصمت حياة؛ وتجعل منه قراءة للواقع وللذات والموضوع الذى تنشده . فالصمت قرنته بالسكون؛ والحب قرنته بالألم والأمل؛ وهى في كل الأحوال تجول في أهوال الذات بحثاً عن شاطىء للدفء والأمان؛ تقول :
أحتاج صمتاً أو سُكونا سرمدًا
لا حبّ لا ألَماً ولا أمَلا دَنَا
كل الحَكايا في الممات كَسِيحةٌ
لا ضَير مَن نَكَثَ الوُعُود ومَن حَنَا
فَلئن شَربت المُرّ دَوماَ أيقَنَت
عيناك أنّ الناسَ كربٌ قد وَنَى.
إنها تجوح في سكون؛ وتجأر بالصمت لِتُسْمِعَ العالم أنينها المكبوت عبر الحروف التى تتفجر منها المحبة والحزن والدموع؛ والوحدة والمرار؛ حيث الحكايا كسيحة منكسرة؛ وتم النكث بالوعود والعهود؛ فغدت على شاطىء النار ترجو النور؛ وتجأر بالبركان في القلب ؛ ولكن دون ضجيح؛ فالسكون ثيمة النشيج؛ والوهن وقصر القصيدة الإبيجرامية ؛ يدللان إلى مساحة الحزن الشاسعة لمغدورة نَزَّ زيت قنديلها ؛ لكنها تحاول ألا تنطفىء؛ لكنها تَتَحرَّق وتذوب اشتياقاً ولوعة؛واستنكاراً كذلك . لذا رأيناها في ” صراع ” تسأل وتستنكر؛ وتهذى وتعتب؛ لكنه العتاب الصامت؛ لألم الذات الحزينة المجروحة ؛ التى جرحتها الآهة ووثوقيتها بمن أحبت؛تقول :
هل كنتَ تهذِي حينما أنكرتَنِي؟
وهَدمت أركانَ الهوى متعمداً
و صفعت إخلاصي وجاوزتَ المَدى
وتَواطَأتْ عِلاّتُ قلبي والرّدى
واليوم مكلومٌ وَأمْسِي شُرّدا
والذكرياتُ تَلومُني مثل العِدا
والعقل – ياويلي – يعاندُ لَوعَتي
ويهُزّني كي أنتشي متمَردًا
وكعادتي أخلو إليه ونَحتسي
أطلالُ قهوتنَا ونرشفُ سُهّدًا.
إنها تناجى الحزن في عتمة الليل؛عبر قصة الجرح والفراق؛ ولوعة المخدوعة المنكسرة بعد حب كان قد صفا ورشفته كقهوةٍ تُسْكِر؛ لكن القهوة تحولت إلى مرار العلقم ولازالت تأمل في عَوْدَةٍ مُرتقبة؛ لكن الكبرياء يمنعها؛ والخطى لا تقودها إلى مكمن الجرح؛ فتشكو إلى الليل عَلَّهُ يُطَبِّبُ أوجاعها؛ لذا نراها تلهج بالحكمة عبر مفارقات التضاد؛وجمالية التصوير البديع؛ تقول :
لا خَيْر أرجو – في الحياة – سوى رِضَاً
أقتاتُه ُحِيناً وأَجْرَعُهُ سُدَىً.
وفى قصيدتها الرائعة ” غاياتى ” نراها تخاطب المحبوب الغائب / الحاضر؛ وتبدأ القصيدة بالجملة الشرطية: ” إن جئت؛ المصحوبة بإنتفاء السبب لوجود المُسَبّب أو العلة الغائِيَّة؛ وكأنها تفلسف الجمال التصويرى عبر تراكيب الجمل الأنيقة؛وسلاستها؛ وتهاديها كشلال يُعَطِّرُ الروح؛ ويدنو من فلسفة الحزن بداخل ذاتها المحبة العاشقة؛ فهى تخاطب الغياب عبر التمنِّى لمجىء من تاقت إليه؛ فهو المُخَلَّصُ؛ والمسيح الذى سيزيح عنها آلام السنين, والآخرين المتربصين بالقلب العاشق؛ الأهل والناس والمجتمع؛ الآخرين الذين سيسحبون مجداف روحها وىهائها ؛ليوسدونها التراب ؛ أو الزواج من غريب عن الروح والفؤاد؛ لذا فهى تتمنى الموت أو الإنتظار بقية العمر لتلقى المحبوب؛ أو لتلقى الموت؛ فالراحة في مجيئه؛ وهو الخلاص؛ وإلا فالموت هو الخلاص لتلتقى به عبر الشهداء والصحابة في أعلى الجنان.
ومع براعة الوصف؛ إلا أننا نلمح صدق التجربة ورهافة المعنى وجزالته؛ ورشاقة التصوير مع بساطته – دون تكلف – فهو بوح أنثى عاشقة تلهج بالحب وتطلب منه أن يجىء ؛ تقول :
إن جئت لن يستطيعوا لم أوراقي
أو سحب مجداف شعري أو مواراتي
إن جئت لن يستطيعوا النيل من فكري
أو ذم ناصيتي أو كسر ناياتي
إن جئت لن تستبيح الدمع في مقلي
إن اللقاء حريق فوق راياتي
طال اشتياقي إلى الميعاد – معذرة –
لذا ستعلو بلا حزن سماواتي.
كما نلمح صوفية تبدو من خلال قصة الأحزان التى عَبَّرت عنها بمسروداتِ الشِّعر لتتعانق فنون السرد بالشعر؛ فهى عبر رحلة الإيمان والحب قد شَفَّتْ ورفت وارتقت إلى عليِّين؛ فتهرب بجواد التصوف الذاتى إلى أفق الأبطال التاريخيين والصديقين والشهداء؛ وتجول في أقاليم الذات بحثاً عن قيمة كالحب أو الشهادة بالموت؛ كعاشقة صوفية تجردت من الذات لتصفو روحها وتترك الحب الدنيوى المادى لتنتقل بالقارىء – عبر الإنزياح والمفارقة – إلى موضوع آخر للسموق والإنعتاق؛ عبر أقنوم الحب؛ ومشكاة العشق؛ لتنتقل من ربقة الحياة الفانية؛ إلى خلودٍ دائمٍ للذات عبر الشجن الجميل؛ تقول :
سأرتقي ﻷصوغ الشعر مزدهرا
كون ودرب-حقيقٌ- شاد لَذَّاتي
أبوح حراً بلا إفكٍ بلا وجل
أعلو جوادي بلا قيد لوجهاتي
شراع قلبي يطوف اليوم منبسطاً
يداعب الشوق في مرسى حكاياتي
هناك لا فقد أو بأساء ترهقني
تفرد في الجمال الغض مشكاتي
هناك وابل حب يعتري ظمئي
حب عظيم يدوي في صباباتي
هناك أحيا بلا ناس تعوقني
تلك الجنان لفي أبهى خيالاتي
شهيق قلبي عطور جل نفحتها
وزفرتي ألق من فيض مرضاتي
وكوثري رائع والقصر ينظرني
والمصطفى بازغ فوق ابتهالاتي
هناك أُنسٌ مَحَا قهري ودمدمه
وشدّ ظهري فَزال اليأس عن ذاتي
هناك خالد والفاروق يجمعنا
طهرٌ يطوف فتسمو اليوم غاياتي
هنا الأحباء في بستان أوردتي
والطير يشدو على أشجار أوقاتي
الموت نور وراء الغيم ينقذها
إن كان في كنف الرحمن مرساتي
ومع أنها لازالت تخاتلنا بقصة حب مادية؛ إلا أننا رأيناها ترتقى من مدارج السالكين والمتصوفة؛ إلى مدارج الحب الصوفى الإلهى السامق؛ والزهد للفوز بقرب المصطفى المحبوب؛والتوق إلى الله الخالق البديع؛ فهو العاشق الاول ؛ والرجل الذى لا وزر من حبه؛ بل اشتهاء قربه في وصل الروح بسمفونية الجمال النبوى؛ والإلهى السرمدى العظيم .
وفى قصيدتها ” كَبُرَ المٌصاب”؛ نراها باكية حزينة على راحلٍ قريبٍ من الروح؛ لذا فهى تندب ذاتها وتشكو إلى شمس المغيب وجع البين ؛ كما نلحظ التصوير البديع في الفعل الماض الممزوج بالتورية البديعة : ” كَبَشَ الردى صدرَ الحنونٍ بمهجتى ” وهى من أبدع الصور التى تكشف عن عمق الحزن والفجيعة والوجع؛ إذ الموت يكبش بيديه المزلزلتين صدرها الحنون ويختطف وسط ذهولها الحبيب؛ الإبن؛ الزوج؛ الأب؛ الصديق؛ القائد؛ ؛– الذى تخاطبه بسيدى – فهى لم تصرح بالمدلول ؛وتركت الدوال السيمولوجية الرامزة لنتأولها كقراء ؛عبر فجيعة الوصف القوى الماتع؛وعبر اللغة البكر الطازجة التى تَخُشُّ إلى قلوبنا فننصهر مع أوجاعها الدفينة.
فهى دوماً تخاتلنا بمحبوبٍ قريبٍ ملموس؛ فإذا هو نبى؛ أو رمز تقتدى به ؛لتطل علينا روحها المتصوفة؛ وكأنها ” رابعة العدوية ” في محراب عشق جديد مع عنتر رمز القروسية والشعر والقدوة ؛ ومع النبى المعشوق السيمولوجى؛ ومع الحبيب المُكَنَى به؛ والمتداخل في الروح؛ وكأنها تبعده ؛ وتخفيه -طوال الوقت- عبر لعبة المخاتلة التى تجيدها ؛ لتمسك بتلابيب القارىء؛ حتى نهاية آخر نقطة في قلب القصيدة النابضة بالحب ,وروعة التصوير؛ تقول :
أرنو إلى شمسِ المغيبِ أُعَاتب
بَينَا بغيضًا فى فؤادى أَرْقُبُ
كَبَشَ الرّدَى صَدْر الحنونِ بمُهْجَتى
وسَط الذهول النفس حَيْرَى تَندِبُ
مالِلدّنَا تَسْتكثرُ الخيْر الّذى
في ظلّه عِشْناجميعا نَرْغبُ
كنتَ السفيرَ أقَائدى مُتَأَنّقا
مُتواضعا والموتُ سهمٌ يَضربُ
رَجُلٌ وعِزّ ذو يدٍ سبّاقة
وتفرّقُ اﻷحبابِ جِدًا مُتعِبُ
رَحَل َالّذى قد كان أُنْسا سَرمدا
وذراعُه الوطن ُالفسيحُ يقرّبُ
كُل ُالعِدا يتربّصونك بيننا
فاليوم زهدٌ للعِدا وتقَلّبُ
هاك الحياةُ خَبَا ضياءُ نجومها
و تَوحّش الظبىُ اﻷليف ُالطيبُ
أَسَفى على عمرى تحطّمَ بغتةً
والقلبُ مطعُونٌ وعَقلي غيْهَبُ
ياعنترىّ اﻷصل ِأين حياتنا؟!
أين الهَنَا ودموعنا لا تغْرُب
عبثٌ تَصبُرنا الذى أَوْدَى بِنَا
عزّ السبيلُ ولم يُجِبْ يَتَهَرّب
كبر المصاب فيالويل حشاشتي
مِمّا ألَمّ مِن الفراقِ يُعَذُّب
الحُلْم صار المُرتجى لقلوبِنا
لنراك واﻷمَلُ العَقِيمُ يُشَيّب
الله أكثر رحمةً بك سيدى
سيُثيبك الفردوسَ نُزُلا تُطرِب.
ولعلها هنا عبرالبيت الأخير قد صرحتلكلمة ” سيدى”؛ لنفهم عبر أبياتها من ذا يكون الراحل الأَجلَّ الذى جرفها؛ وجرفتنا معها إلى رحاب ذلك السيد النبيل الجليل الأثير .
وفى قصيدتها الصوفية ، الذاتية ؛ الشاهقة :” ” فصل القصيد ” – والتي لو لم تكتب سواها شعراً لكفاها بهاءاً وسرمداً وخلوداً – فهى هنا تتبتل؛ وتسمو؛ وتنعتق فى المدارات؛ وترتقى في مدارج السالكين نحو الكون والعالم والحياة ؛ والحب الإلهى الكونى؛ والتوهان في العشق عبر الخلوة والجذبة ؛والرقى إلى سماوات لا تطاولها أى سماء؛ فقد صنعت لها مداراً ودارت في فلكه لتصنع ” التصوف الخاص/ الذاتى ” البديع؛ حيث جعلت الأكوان تدور في ابتهالاتِ هالة مدارها الأشهى, والأسنى البديع.
ولنلحظ قوة العبارة؛وجمال التصوير؛وانسيابية المعنى؛والصفاء الروحى عبر أبستمولوجيا الماورائيات؛ وكأنها ” رابعة العدوية ” أو ” فينوس ” تلهج بجمال المعانى؛ وترتقى بالذات غلى السِّر عبر لغة التدوير والتَّضَامْ والقرب ؛ وكأنها في خلوة روحية؛ في مدارج السالكين إلى أنوار فردوسيةٍ تصهل بالجمال؛ عبر لغة تطيعها؛ كل الوقت؛ وعبر جمال فُزَحِىٍّ وتصاويرى بديع؛ غاية في السموق والروعة؛ تقول :
لا تكترث لصياحي أو سَنا ماسي
فإنني ثورةٌ صالت بأنفاسي
وإنني ألَقٌ طال الرّبا وسَمَا
وإنني – مَحْضُ – طُهر فاض عن كاسي
و إنني صيّبٌ في بلدة ٍظَمأت
ثم ارتوت من معيني دون قِسطاسِ
وللعفاف حكاياتٌ أدرّسُها
سَل-عن عفافي-برايا قيدُ كرّاسي
هل مِن حياءٍ يفوقُ اسمي بربكمُ؟
حسٌ رفيعٌ أعزّ الفعل َوالراس
ياحبذا نسبي سيّانِ سالفُه
أو مجدُ حاضِره صرحٌ بأقداسِي
و دَيدني كَلِم ٌفي جِيْد مملكتي
ﻵلئُ انبَجسَت مِن غير ما فاس
ودُرّتي خافقي ظلٌ يفوح ندَى
ورحمةٌ-عَزفُها-من صُنع أقبَاسي.
إنها تسمو بالحب؛ بالطهر والعفاف في مدارج الكون؛ تصنع فردوسها؛ ومجدها الشعرى على ضفاف الروح التى تسمو؛ فتجمع كل الموجودات حول هالتها؛ كما تتجمع المتناقضات كذلك؛ لتحل معادلاتها الملغزة؛ ورموزها العرفانية الصوفية المتعطشة لأنثى الجمال؛ أو هى : ” أميرة الشعر ” التى تستقطب الكون والأفلاك لتصنع أسطورة خلودها الأسمى ؛ تقول :
أنا كَليلٍ بَهيم مَدّ هدأتَه
ومثل شلالِ عطرٍ عاش في باس
أنا -حضورٌ- تغَار الشمسُ مِن وهَجي
ولي مدارٌ-خَصيصٌ- قدْر إحساسي
وغُرّتي في جبينِ الدهرِ أرسُمها
والنيلُ يسعى لعزٍ قابَ أقواسي
وإنني امرأة ….عاتٍ تفردها
وكبريائي طبولٌ دقّ أجراسي
وإنني دولة ٌفي النجم هامَتُها
وسِحرُ عيني كفِرسانٍ وأفراسِ
وإنْ تَعَالت صروفُ الدهرِ- قاطبةًـ-
أهبّ مُمتطيا سيفي وقرطاسي
وخافِقي -حينها-ماشابَهُ وَجَلٌ
وقَولتي رَحِم ٌألقى بنبراسي
وإنني كلَظى إنْ مَسّني سَفَهٌ
وإنني كصحارى جُبّها قاس
و إنني أَكَم ٌتشدو بلابلُه
والشعر يغذو دمائي دون حراس
قصري مشيد وفوق السحْب ألويتي
والنصر قافيتي دربي وإيناسي .
وتتوالى قصائدها لتكشف عن المحبوب؛ حب النبوة؛ وحب الإله الخالق العظيم؛ حيث الطهر والسموق؛ وتجليات الشَّوفِ؛ وكشوفات الهُيام في الحب السرمدى البديع ؛ فنراها تناجى في قصيدتها : ” فتوح العارفين ” فيوضات الحب الذى يسع الأوطان والعالم؛ والكون والحياة؛ حيث العشق يندلقُ مع القلوب الحائرة التَّواقة الزاهدة إلى مدارج بعيدةٍ؛ عبر فيوضات وأنوار الجمال الروحى الفلسفى العرفانى الصوفى الذاتى البديع؛ تقول :
عرفت كيف يكون الحب أفئدة.
حنت- كسرب طيور- نحو أوطان
عرفت كيف يكون الحب أفضية
أطير في صفوها حرا فتغشاني
عرفت كيف يكون الحب أَسورة.
تحيطني بضياء زاد تحناني
عرفت كيف ثمار الحب تعصمني.
وكيف أضحت دروب الحزن تنساني
وكيف أحيا ربيع الحب في نعم.
لاأكذب الله-حبي فيك أحياني
عرفت كيف يزيل الحب -لي -حجبا.
تكشفت خلفها أسرار أزماني
يارب في أنسك الآفاق منطلق.
إلى دنا رحبة من فيض عرفاني
إلى فتوح أراها الآن عن كثب
تعدو بقلبي إلى أنس يلقاني
إلى عوالم حب كلها أمل.
في حضنها قبل تنساب تهواني.
إنها تَبًتُّلًاتُ عاشقةٍ؛ متصوفةٍ في محراب نهر الجمال والحب الإلهى؛ تَتنسَّك
لتصفو؛ وتتعانق مع الوجد الروحى لتهيم في محبوب قريب؛ رًبٍّ كريم؛ معشوق؛ وهى العاشقة على الباب ترجو القُرْب والوصال؛ والفوز بنعيم مقيم؛ سرمدى بديعٍ؛ تقول :
كم شاقني أن تجوب الكون أدعيتي
وأن تزول كروب العالم الفاني
وأن يثور شعاع الشمس في الظلم
وأن يفك قيود الأسر إيماني
وأن تزول قيود الإنس عن بدني
وأن تظل خيوط الفجر ترعاني
وأن يمهد إسلامي غدا فلقا
ضياؤه قبس من نور قرآن
وفي هواك نعيم قائم أبدأ
أخلو إليه وأطوي كل أوثان
كل الهوى أنت يامشكاة أوردتي
يامنتهى أملي ..ياسر إذعاني
إنها شاعرة أقدمها لساحة الشعر؛ وأراهن عليها؛ حيث أفقها الكونى يقدم الشعر الكلاسيكى العمودى في ثوب عصرى جديد؛ بديع؛ ومابعد حداثى للمعنى المتأصل؛ أى أنها تكسو الأصالة ببردة المعاصرة؛ وتستشرف لذاتها مكاناً علوياً ؛بين فلسفة الشعر الصوفى الروحى البديع الخالد .
إنها أنثى الشعر؛ سندريلا التى تفتق الحروف لتبرز جواهر المعنى؛ وتستقطب الجمال الكونى عبر تجربة الحب الصوفى البديع. ولا تكتف الشاعرة بتلك التجربة بل تضيف إليها تجربة الحب للأوطان عبر مناقى الحزن على العرب وما آل إليه الحال من ضعف؛ فهى تستنشد الحروف؛ لتصبح صوت الثورة الصامت؛ المحبوس؛ عبر التمنى؛ تقول :
العُرْب صاروا جراحاً فوق أضرحة
عاث الفساد بها رقصا بملهاة
فهى تصف حالهم؛ بالمضحك المبكى؛ وبالمأساة عبر الملهاة؛ وفى هذا التناقض البديع تظهر الشعرية الدافقة؛ والحب الوطنى العروبى القومى الجميل .
وفى قصيدتها : “خذني بعيداً” – والتى حملت اسم الديوان كذلك – نراها تخرج من سرمد الحب الوجودى السرمدى اللاميتافيزيقى؛ إلى الحب الفيزيقى؛ وكم هو جميل أن نحب؛ ونذوب في هوى المحبوب؛ فديدن الأديان الحب وجوهرها؛ وإليه تسمو الأفئدة؛ فبالحب يعرف الإنسان ذاته؛ ويعرف الله ؛ تقول :
خذني بعيدا عن الدنيا ومن فيها
إلى ظلالٍ يسيلُ الشهدُ من فيها
خذني إلى أَكَمٍ بالحب نزرعه
خذني إلى همسات منك أبغيها
وزد فؤادي ربيعا عشت أنظره
وأمنيات يكاد الشوق يرديها
خذ اﻷسى والصحارى من دمي حمما
-كم أحرقتني – فكن نهرا سيشفيها
خذ ما يعكر صفوي ذات أمسية
وبعثر الزهر ميثاقا يُحَلّيها
في خافقي ألفُ زلزال يروّعني
يشكو ضحاياه يبكيني ويبكيها.
إنه الحب الذى يزلزل الأفئدة؛ ويرفد الوجدان برباط الحياة الجميل؛ لكنها رغم كل هذا الجمال نراها ظامئة؛ تستسقى من الحياة الحب؛ وتهيم في ملكوت الوجود؛ فهى تُعَرِّى الروح للحب؛ حبث تنعر الساقية ليتضام الحب الوجودى بالحب المادى في هذه القصيدة التى تماهى فيها بين حب الخالق؛ وعشق الخيال.
ولعلها المخاتلة الأخيرة لسندريلا الشعر ؛ وفيلسوفة الحب شاعرتنا / سحر رجب التى جاءت من حدائق الجمال السكندرى لتكسونا بهدير المتوسط الدافق في قلبها للكون والعالم؛ فقد تربع وسكن الحب سويداء روحها؛ ومزجها بغلالة من الزهد والإرتقاء عبر الخافقين؛ لتجول في أقانيم الروح؛ وأقاليم ومروج العالم ؛تنشد الحب صلاة؛ وفضيلة كبرى؛ وتستسقى الطهر والخلود الروحى من قلبٍ مرهفٍ بالفيوضات والنور؛ وتضىء بالحب الساطع شمس العشق الأشهى؛ شمس الله المحبوب الأكبر الخالق للوجود والعالم ؛ تقول :
بداخلي حيرة فوضى تداهمني
من لي سواك يصوغ اﻷمن يهديها
و ساعداك جنودي نبض حاميتي
و كل أغطيتي -إن شئتَ -أُرْخِيها
خذ الليالي وأبدلني-مناصفة-
حبا وشوقا ينير النفس يحييها
سئمت أفْقا طوى اﻵمال في مُدُني
أشتاق أن نبسط اﻵفاق نُعْليها
هيا نهدهد عشقا مَلّ مِرْفَأنا
إلى صنوف الهوى بالشعر أرويها
ياساحرا….كلماتي تستحي خجلا
تذوب عشقا وأعياني تخفّيها
في رحْب أنفاسِك الدنيا تصاحبني
و السلسبيل عيون- منك -أرقيها
تُسَطّر العشق ألحانا بأغنيتي
أنت السحاب ﻷرض صرت أنعِيها
بشرى هواك بذورٌ أنبتت أملا
والحاء محبرتي والباء تسقيها .
إنها شاعرة الحب؛ وفيلسوفة العشق؛ نراها اندلقت من ماء الوصال عبر جنة الحب التى صنعتها؛ الجنة الحقيقة للحب الذى يخلد ويدوم ؛ حب الله ؛ وأنعم به من مسلك؛ وطاب مقاماً .
وفى النهاية: نحن أمام عاشقة ؛ وفيلسوفة ؛تعزل من صوف الحب عباءة الكون؛ وتنشد الحب الإلهى كفضبلة كبرى؛ وتهيم بنا في حب الأوطان والعالم؛ فهنيئاً لسقيا الحب؛ وسندريلا العشق الجديدة ؛ التى تنضم إلى خريطة الشعر المندغم في هيولى العالم؛ والصارخ في الكون والطيور والجبال والسهول بعظمة الخالق البديع العظيم .



