من كليرمون إلى الرها.. كيف بدأت الحملة الصليبية الأولى وانتهت أولى إماراتها على يد عماد الدين زنكي

في خريف عام 1095 وقف البابا أوربان الثاني في مدينة كليرمون الفرنسية داعياً الأوروبيين إلى حملة عسكرية كبرى، وكان الهدف استعادة القدس من أيدي المسلمين، لتبدأ بذلك الحملة الصليبية الأولى التي امتدت من 1096 حتى 1099، حيث تجمع الأمراء والفرسان من مختلف أنحاء أوروبا واتجهوا نحو القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية عام 1097، ومنها بدأوا زحفهم الطويل صوب القدس.
كيف بدأت الحملة الصليبية الأولى
في طريقهم سيطر الصليبيون على مدينتي الرها وأنطاكية عام 1098، وبعد حصار استمر أربعين يوماً سقطت القدس في أيديهم عام 1099، وأسّسوا مملكة القدس ومعها إمارات تابعة ظلت تفرض وجودها في المنطقة لما يقارب قرنين.
كانت الرها أولى هذه الإمارات، ففي ربيع 1098 قاد بلدوين الأول قواته نحوها مستفيداً من انقسامات المسلمين وضعفهم وسيطر عليها سريعاً لتصبح أول إمارة صليبية عرفت بكونتية الرها، ثم استولى بوهمند على أنطاكية وأسس إمارة ثانية، وتبعه ريموند صنجيل بتأسيس إمارة طرابلس، وجميعها خضعت لسلطة مملكة القدس التي أصبحت المركز الرئيسي للصليبيين.
حكم بلدوين الرها لعامين فقط ثم غادرها ليجلس على عرش القدس تاركاً إياها في يد بلدوين دي بورغ حتى عام 1118، ومن بعده تولى جوسلين الأول ثم جوسلين الثاني الذي استمر حتى عام 1144، لكن فترة حكمه شهدت توتراً متصاعداً مع المسلمين.
في المقابل كان عماد الدين زنكي يتابع المشهد بدقة، فلم يغفل عن اعتداءات جوسلين الثاني ورأى في الرها عقبة كبرى أمام تحرير الشام، فوضع خطة بارعة لاستعادتها، وفي نوفمبر 1144 خرج من الموصل متظاهراً بالتوجه إلى ديار بكر، ثم باغت الرها بهجوم مباغت مستغلاً غياب جوسلين الذي كان يحتفل بأعياد الميلاد في أنطاكية.
فرض زنكي حصاراً محكماً استمر أربعة أسابيع، حاول خلاله جوسلين طلب المدد من أنطاكية ومملكة القدس لكن القوات الصليبية وصلت متأخرة، فسقطت الرها بيد المسلمين، وكان عنصر المفاجأة السلاح الأقوى الذي رجح كفة زنكي.
دخل زنكي المدينة مظفراً وأعاد الحقوق والممتلكات إلى أهلها وارتفع الأذان من مساجدها بعد خمسين عاماً من الصمت، كما أشرف على ترميم أسوارها ووضع حامية قوية لحمايتها قبل أن يغادرها، لتصبح استعادة الرها رمزاً لعودة الأمل للمسلمين ومفتاحاً لانتصارات قادمة في مواجهة الصليبيين.



