أم ياسر: المرأة البدوية التي كسرت تقاليد قبيلة الحمدة في سيناء
أسماء صبحي – ترتبط صورة المرأة البدوية في شبه جزيرة سيناء بعالم مغلق تلازم البيت وتحيط بها قيود التقاليد القبلية. ومع ذلك، ظهرت في السنوات الأخيرة شخصية غير تقليدية كسرت هذه الصورة تمامًا. إنها أم ياسر من قبيلة الحمدة، التي ظلت رمزًا للتحول الاجتماعي وفرص تمكين المرأة داخل المجتمع البدوي.
نشأتها وانتماؤها القبلي
ولدت أم ياسر في وادي ساهو جنوب سيناء ضمن قبيلة الحمدة الصغيرة والعريقة، والتي تعتبر من أفقر القبائل في المنطقة. تقليديًا، لم يكن للنساء دور ملحوظ خارج نطاق الأسرة. لكن أم ياسر نشأت وهي ترافق والدها في الجبال، وتتعلم عن الأعشاب واستخداماتها في الطب البدوي والتضاريس الطبيعية لبيئتها الصحراوية.
مع انطلاق مشروع Sinai Trail عام 2015، الذي أنشأ مسارًا يمتد لأكثر من 550 كيلومترًا يمر عبر أراضي تابعة لثماني قبائل سيناء. تطلب الأمر الانفتاح على مقاربات جديدة لجذب السياحة. وللمرة الأولى في تاريخ شبه الجزيرة ارتقت المرأة إلى مقعد دليل سياحي. وكانت أم ياسر أول من وافق ووجهت بنيتها نحو هذا الطريق رغم أنه كان يعد انتهاكًا للتقاليد عند كثير من القبائل.
في أبريل 2019، بدأت أول جولة بقيادت أربعة نساء بدويات من قبيلة الحمدة..وتولت أم ياسر قيادة الفريق، مرشدة مجموعة من السياح الإناث عبر ممر جبلي في وادي ساهو.
التحديات الاجتماعية والثقافية
ربما كانت أكبر عقبة أمام أم ياسر هي الثقافة المحافظة السائدة في مجتمعها. إذ كان من الممنوعات لسنوات أن تعمل المرأة البدوية خارج منزلها أو تتعامل مع أجانب. لكن أم ياسر عبرت عن رؤيتها بثبات: “هذه ليست مهمتي كربة منزل فقط، بل هي فرصة للعمل وكسب دخل مستقل. أنا قوية”.
وفعلًا، ساعدها دعم زوجها وبعض العائلات على إقناع نساء أخريات للسير في خطاها. ما أسهم في تغيير نظرة القبيلة تدريجيًا نحو المرأة العاملة.
بدأت الجولات بصيغة خاصة ــ فقط للسياح من الإناث ــ واقتصرت على يوم واحد دون إقامة ليلية حفاظًا على العادات الموروثة. ورغم ذلك، كان هذا الأمر فرصة فريدة لسيدات من الحمدة لإحداث تغيير اقتصادي. في بيئة شبه معدومة الخدمات والمصادر.
دورها كقدوة للجيل القادم
لم يقتصر تأثير أم ياسر على الوظيفة نفسها، بل أصبح مثالًا حيًا للشابات البدويات في سيناء. حيث تأثرن الفتيات الصغيرات اللواتي يرافقنها أثناء الجولات بها بشدة وبدأن يتحدثن عن رغبتهن في أن يصبحن دليلات سياحية يومًا ما. وهي خطوة تاريخية في رواية التمكين النسائي داخل المجتمع البدوي المحلي.
ويقول الباحث في الشؤون القبلية الدكتور أحمد عطية، إن أم ياسر ليست دليلًا سياحيًا فحسب. بل تمثل نقطة تحول في العلاقة بين الثقافة والمهنة. فهي نموذج كيف يمكن للأدوار التقليدية أن تشهد تحولًا تدريجيًا دون أن تفقد الهوية.
قبيلة الحمدة والمشروع السياحي
تعد قبيلة الحمدة من أقل قبائل سيناء عددًا وثروة، وتقليديًا لم تستفد من مشاريع التوسع السياحية على الساحل. وانطلق مشروع Sinai Trail بهدف إشراك القبائل في السياحة. وتحويلها من مستهلكة للخدمات إلى مزود رئيس لها عبر جولات المشي في المناطق البدوية والتعرف على الثقافة المحلية.
وكان إشراك النساء فيها أحد المتغيرات البارزة التي ساعدت على تمكين المرأة وخلق مصدر دخل مستقل لها. وهو ما انعكس بشكل إيجابي على التصورات الاجتماعية داخل القبيلة وخارجها.
رسالتها إلى المرأة البدوية
أسست أم ياسر لنفسها سمعة في قدرتها على القيادة والمساندة المحلية. فأصبحت جزءًا لا يتجزأ من بيئة العمل السياحي البدوي في سيناء. وتتمتع بتقدير من الزوار حث تثير إعجابهم بمعرفتها بالنباتات الطبية، ومهارتها في التنقل عبر الطبيعة القاسية. كما تلقت إشادة من الصحف الدولية والمواقع الإخبارية مثل Los Angeles Times وVOA وAP بأنها الخروج عن القالب التقليدي للمرأة البدوية في سيناء.



