وطنيات

عميد أركان حرب أحمد عبود الزمر.. بطل الاستبسال حتى آخر طلقة في ملحمة الدفرسوار

أسماء صبحي – سجل أبطال نصر أكتوبر 1973، يبرز اسم عميد أركان حرب أحمد عبود الزمر كأحد القادة الذين سطروا بدمائهم صفحات خالدة من الشجاعة والتضحية. وتولى قيادة الفرقة 23 مشاة ميكانيكا خلال حرب السادس من أكتوبر، وكان له دور محوري في واحدة من أعقد وأخطر معارك الحرب، وهي معارك ثغرة الدفرسوار.

في صباح 17 أكتوبر 1973، أسندت إليه القيادة العامة للقوات المسلحة مهمة بالغة الخطورة. تصفية ثغرة الدفرسوار ومنع القوات الإسرائيلية من توسيع نطاق اختراقها غرب قناة السويس. ومنذ تلك اللحظة، ظل الزمر في مركز قيادة فرقته المتقدم رافضًا الانسحاب. حتى نال الشهادة في 19 أكتوبر ليصبح رمزًا للفداء والثبات.

مسيرة عميد أركان حرب أحمد عبود الزمر

ولد أحمد عبود الزمر عام 1928 بقرية ناهيا التابعة لمحافظة الجيزة والتحق بالكلية الحربية عام 1947. ليبدأ مشوارًا عسكريًا حافلًا بالمحطات الوطنية الكبرى. وشارك في حرب 1956، وخاض نكسة 1967، وشارك في معارك الاستنزاف. حتى جاء يوم العبور في أكتوبر 1973 حيث كان في موقع القيادة والمسؤولية.

لم يكن الزمر قائدًا عابرًا في تاريخ الجيش المصري، بل كان من الضباط الذين تدرجوا في ميادين القتال. واكتسبوا خبرات ميدانية عميقة أهلته لقيادة تشكيل قتالي كبير في لحظة فارقة من تاريخ الوطن.

معارك شرسة في ثغرة الدفرسوار

كانت مهمة فرقته في منطقة الاختراق بالدفرسوار العمل كاحتياطي تعبوي للجيش الثاني الميداني. ومع تصاعد القتال في النصف الثاني من أكتوبر، شهدت سيناء معارك ضارية لم تعرف لها مثيلًا من قبل.

في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، شن اللواء 14 مدرع الإسرائيلي هجومًا على قواتنا غرب القناة. صدرت الأوامر إلى الزمر بتنفيذ ضربات وهجمات مضادة ضد قوات العدو داخل الثغرة. ومع أول ضوء للفجر، اندفع القادة والضباط والجنود المصريون لتدمير الدبابات الإسرائيلية في سباق مع الزمن والنيران.

ومع احتدام المعركة، دفعت القوات الإسرائيلية بالمزيد من التعزيزات، حتى بلغ حجم قواتها داخل الثغرة ثلاثة ألوية مدرعة، ولواء مشاة ميكانيكي، ولواء مظلات. ورغم هذا التفوق العددي والنوعي الصارخ، نجحت القوات المصرية بقيادة الزمر في إيقاف تقدم العدو ومحاصرته لأكثر من 36 ساعة متصلة. وسط نيران مكثفة من الطيران والمدفعية وهجمات متكررة بالدبابات.

مناورة تكتيكية لإنقاذ القوة

لم يخدع الصمود الظاهري قائدًا محنكًا مثل أحمد عبود الزمر. أدرك أن فرقته لن تتحمل أكثر أمام هذا الضغط الهائل، وأن مصلحة الوطن تقتضي الحفاظ على القوة للقتال في ظروف أفضل.

قرر تنفيذ مناورة جريئة، فأمر بتشكيل مجموعات سيطرة تنسحب ليلًا إلى موقع خلفي يتم تحصينه وتركيز الدفاعات فيه استعدادًا لصد هجوم إسرائيلي واسع متوقع. وأشرف بنفسه على عملية الانسحاب، وشرح لقادة المجموعات أسلوب التحرك وخطط الدفاع في الموقع الجديد. مؤكدًا أن التنظيم والانضباط هما مفتاح البقاء.

الموقع التعطيلي

بعد تأمين انسحاب الجزء الأكبر من القوات، بقي الزمر مع من تبقى من رجاله في الموقع الأمامي. ليعملوا كموقع تعطيلي يوقف اندفاع العدو حتى تستكمل الدفاعات في الخلف. وكان بإمكانه الانسحاب، لكنه رفض أن ينجو بنفسه ويترك جنوده يواجهون المصير وحدهم.

ضرب أروع الأمثلة في المساواة بين القائد ورجاله، رابطًا مصيره بمصيرهم، مقاتلًا بسلاحه الشخصي وسط نيران كثيفة في معركة غير متكافئة استمرت أكثر من أربع ساعات. وفي النهاية، تمكنت سرية دبابات معادية من الوصول إلى مركز القيادة وانطلقت القذائف لتصيبه وعددًا من رجاله لينال الشهادة يوم 19 أكتوبر 1973.

تكريم يليق ببطل

بعد وقف إطلاق النار وفض الاشتباك، عثر على جثمانه داخل خندق ويداه ممسكتان بسلاحه في مشهد جسد معنى الاستبسال حتى اللحظة الأخيرة. ووصفت الصحافة بطولته بـ”بطل الاستبسال حتى آخر طلقة”.

في عام 1974، منح وسام نجمة الشرف، وتمت ترقيته إلى رتبة لواء تكريمًا لتضحياته. وخلال احتفالية مرور 25 عامًا على نصر أكتوبر، كرم الرئيس محمد حسني مبارك اسم الشهيد ضمن نخبة من القادة والضباط والجنود الذين كان لهم دور بارز في تحقيق النصر، وتسلمت أرملته ميدالية مقاتلي أكتوبر.

كما أطلق اسمه على إحدى دفعات الكلية الحربية، وعلى قاعة الاجتماعات بالمنطقة العسكرية المركزية. ولا يزال أحد أكبر شوارع مدينة نصر يحمل اسمه، وهو شارع أحمد الزمر، المعروف بمحور الشهيد. تخليدًا لذكرى رجل اختار أن يكتب اسمه بدمه في سجل الشرف المصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى