عادات و تقاليد

عادات رمضان في البحرين.. من “النقصة” إلى “الغبقة” جسور تصل الماضي بالحاضر

أميرة جادو

تتقاطع العادات والتقاليد الرمضانية في مملكة البحرين مع نظيراتها في بقية دول الخليج إلى حد كبير، إلا أن البحرين تحتفظ بسمات خاصة تبرز عمق موروثها الشعبي، وتجسد امتزاج الشعائر الدينية بالتقاليد الاجتماعية المتوارثة عبر الأجيال، وتتجلى روح العائلة بوضوح مع التفاف الأهل حول مائدة الإفطار، حيث يجتمع الأجداد بالأبناء والأحفاد في أجواء يسودها التراحم والتواصل، وسط حضور لافت للأطباق الشعبية والحلويات التراثية التي تعكس تنوع المجتمع البحريني.

عادات رمضان في البحرين

النقصة وتبادل الطعام

وتتجدد في الأيام الأولى من الشهر عادة “النقصة”، وهي تبادل أطباق الطعام بين الجيران تعبيرًا عن الألفة وصلة الرحم، في مشهد يعكس عمق التكافل الاجتماعي المتأصل في المجتمع البحريني.

الغبقة وتوطيد العلاقات

أما “الغبقة”، فلم تعد مجرد لقاء يجمع الأصدقاء، بل تحولت إلى مناسبة تتنافس المؤسسات على تنظيمها بهدف توطيد العلاقات العامة وتعزيز جسور التواصل.

كما تكتمل ملامح الأجواء الرمضانية بالمجالس التي تفتح لاستقبال المهنئين، إلى جانب صلوات التراويح والقيام والاعتكاف التي تشهد إقبالًا واسعًا، بما يؤكد أن رمضان في البحرين ليس فترة عابرة، بل تجربة اجتماعية وروحية متكاملة تتجدد سنويًا بروح الأصالة والانتماء.

طقس اجتماعي متجدد

في العاصمة المنامة، تتشابه أن العادات الرمضانية في المجتمع البحريني بدرجة كبيرة مع نظيراتها في المجتمعات الخليجية، سواء من حيث المظاهر الاجتماعية أو الروح الدينية الجامعة، غير أن لكل مجتمع طابعه الخاص الذي يمنحه نكهته المميزة ويحافظ على خصوصيته الثقافية.

ومن أقدم وأبرز العادات الرمضانية في البحرين “الغبقة”، التي تعد من أهم الطقوس الاجتماعية وأكثرها حضورًا، وهي في أصلها تجمع عائلي أو لقاء بين الأصدقاء يقام مساءً بعد صلاة التراويح وحتى منتصف الليل، حيث تقدم الأطباق الشعبية البحرينية مثل الهريس والثريد وغيرها من الأكلات التراثية.

عادة “النقصة” وتوزيع الأطعمة عبر الأطفال تجسد روح التكافل والمودة التي يعتز بها المجتمع البحريني منذ مئات السنين.

ولم تعد الغبقة مقتصرة على نطاق العائلة أو الأصدقاء، بل باتت في السنوات الأخيرة مناسبة تنظمها الشركات والمؤسسات وحتى الوزارات، في إطار تعزيز العلاقات العامة وبناء جسور التواصل بين الموظفين والشركاء، ما منحها بعدًا مؤسسيًا إلى جانب بعدها الاجتماعي التقليدي.

المجالس الرمضانية

وعلى صعيد موازي، تبرز المجالس الرمضانية التي يمكن اعتبارها غالبًا ملتقى للنخبة والمثقفين، بحسب الساعي، إذ تشبه منتديات فكرية تناقش فيها القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويجتمع فيها مثقفون وأكاديميون ومسؤولون لتبادل الآراء واستعراض المشهد المحلي والإقليمي في أجواء يسودها الود والروح الرمضانية.

القرقاعون.. عادة متوارثة

ومن التقاليد التي ما زال المجتمع البحريني محافظًا عليها “القرقاعون”، وهي مناسبة شعبية تقام في ليلة الخامس عشر من رمضان، حيث يرتدي الأطفال الأزياء الشعبية ويتجولون في الأحياء مرددين الأناشيد التراثية، فيما يحرص الأهالي على إعداد أكياس الحلويات والهدايا لتوزيعها عليهم.

ويعتبر القرقاعون من أكثر مشاهد رمضان بهجة، إذ يحيي روح الحي الواحد ويمنح الأطفال فرصة للفرح والاحتفاء بالموروث الشعبي، في لوحة تمتزج فيها براءة الطفولة بأصالة التراث.

ختم القرآن والاعتكاف

ومن التقاليد الرمزية “مدفع الإفطار”، الذي يعلن موعد أذان المغرب في مشهد يربط الماضي بالحاضر، إلى جانب ما يعرف بالختمات الجماعية، وهي تجمعات لتلاوة القرآن الكريم في المساجد أو المنازل، حيث يتناوب المشاركون على قراءة الأجزاء حتى ختم المصحف كاملًا.

كما يحرص كثيرون على الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان طلبًا لليلة القدر، في صورة تعكس ذروة الروحانية التي يعيشها المجتمع البحريني خلال هذا الشهر الفضيل.

مجالس القرآن الكريم

وفي منطقة النعيم بالعاصمة البحرينية، يؤكد محمود النشيط لـ الجزيرة نت أن شهر رمضان في البحرين يتميز بخصوصية واضحة تجعله مختلفًا عن غيره، ومن أبرز مظاهر ذلك انتشار مجالس القرآن في المنازل، إذ تضم منطقتا النعيم والمنامة أكثر من 100 مجلس، وفي منطقة “سار” بالمحافظة الشمالية غرب المنامة وحدها يزيد العدد على 90 مجلسًا.

وتفتح العديد من البيوت في القرى والمدن مجالسها لاستقبال المهنئين بالشهر الكريم، وفي هذه المجالس تتلى آيات القرآن الكريم؛ فمنهم من يستمع، ومنهم من يقرأ، بل إن بعض الحضور يصححون للقراء عند الخطأ، وهي سمة قد لا تتوافر بهذا الاتساع في مجتمعات أخرى، لكنها راسخة في البحرين منذ سنوات طويلة.

ورواد هذه المجالس ينتمون إلى مختلف الفئات العمرية، من الأطفال إلى الشباب والشيوخ وكبار السن، ما يجعلها مساحة جامعة تقرب الناس من كتاب الله وأجواء الشهر الكريم، مشيرًا إلى أن هذه المجالس تتحول بعد الانتهاء من التلاوة إلى ديوانيات ومنابر مفتوحة لمناقشة قضايا اجتماعية وثقافية وفكرية، بل وحتى طبية وفنية.

ولا تقتصر هذه المجالس على فئة بعينها، إذ تستقبل أحيانًا دبلوماسيين غير مسلمين يتعرفون من خلالها على العادات والتقاليد والموروث الشعبي في مملكة البحرين، وقد أسهمت عبر الأجيال في ترسيخ الهوية وصون التراث، إلى جانب الخيم الرمضانية التي تنتشر في بعض الطرق أو تنظمها الفنادق، ولكل منها جمهورها الخاص.

ومن العادات المتجذرة قبل الإفطار تبادل الأطعمة بين المنازل، وغالبًا ما يتولى الأطفال مهمة نقلها من بيت إلى آخر، في مشهد يعبر عن روح التكافل والمحبة التي يعتز بها المجتمع البحريني منذ قرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى